بات التجديد السياسي «فرض عين» أمام العرب، وإلا مات مشروعهم القومي، المتيبسة مفاصله، والمدفوع عنوة إلى معركة غير متكافئة نسبياً، مع مشروع إقليمي آخر هو «الشرق أوسط الموسع»، الذي وإن خفت الكلام عنه نسبياً في الوقت الراهن، فإن تنفيذه ماض في طريقه المخطط له، من دون هوادة ولا تراجع.
والتجديد السياسي يعني في المقام الأول مفارقة مثالب الأيديولوجيات، التي اعتنقتها تيارات قومية عربية عدة، على مدار القرن العشرين، وفي مقدمتها «الناصرية» و«البعثية»، وامتلاك رؤى وتصورات خلاقة قادرة على التكيف من واقع جديد، يختلف كلية، عن ذلك الذي مثل سياقاً دولياً ومحلياً للحركة والتفكير القومي العربي قبل أكثر من نصف قرن تقريباً.
ويحتاج هذه التجديد إلى أمرين أساسيين، الأول هو رؤية يبلورها مفكرون قوميون عرب، ينتمون إلى مختلف المدارس السياسية العربية، التي يجمع بينها الإيمان بفكرة «العروبة» وإن اختلف جدول أولوياتها حول القضايا المحلية والدولية الراهنة.
وحول ترتيب سلم القيم السياسية، كأن يقدم البعض الحرية على المساواة، أو العكس، أو يرى آخرون أن العدالة هي القيمة الأولى بالرعاية. والثاني هو إيجاد مجتمع عربي يؤمن بهذه الرؤية ويطبقها في الواقع المعيش.
فكثير من الأفكار ماتت بين أضابير الكتب، مهما كان حد اكتمالها وحيويتها، بينما نجح من حازوا قدرة على الحركة ـ حتى إن لم يمتلكوا رؤية سياسية وفكرية مكتملة الأركان، قوية الحجة ـ في أن يحشدوا وراءهم جماهير غفيرة، حملت الراية من جيل إلى جيل، وعملت على تطوير التفكير السياسي، أو ترميم إطار عام للحركة، بما يجعلها أكثر ملاءمة لواقع يتجدد باستمرار.
ويمكن هنا أن نضرب مثالاً دالاً في تاريخنا الحديث على هذا الأمر، فقد غابت التعبئة الجماهيرية وراء أفكار جليلة وعظيمة للإمام محمد عبده، انصرف فيها إلى التوفيق بين العروبة والإسلام بأدلة قوية الحجة وبراهين ناصعة، ضمن مشروعه الفكري العميق القائم على تجديد الفقه الإسلامي، وإعلاء فهم رسالة التوحيد، ما أدى غياب أي جمهور اجتماعي لأفكار الإمام سوى أفراد من النخبة الفكرية والدينية المستنيرة.
على النقيض من ذلك اهتم الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين» بحشد الناس حول تصوراته البسيطة، التي رمت في جزء منها إلى استعادة «الخلافة الإسلامية» على حساب التفكير العروبي، وساهمت بذلك في جدل طويل حول «العروبة».
و«الإسلام» بدأت حدته تتراجع منذ تدشين «المؤتمر القومي ـ الإسلامي» في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، الذي برهن على أن التيارين القومي والإسلامي في خندق واحد، إذ إن عدوهما مشترك.
واهتماماتهما ليست متنافرة ولا متباعدة، وتناطحهما أو صراعهما ليس في صالح الشعوب أبدا، بل إنهما مطالبان ببلورة رؤية سياسية عصرية. لكن زخم الحركة، رغم بساطة الفكرة الذي يصل إلى حد السطحية، جعل أفكار البنا تمثل برنامج عمل لملايين العرب.
لكن حشد الجماهير يتطلب أولاً وجود فكرة، ولتكن مثلا قيام تيار يسمى «القوميون الجدد» يسعى إلى إنقاذ الوطن العربي، بانتشال الوحدات المكونة له، وهي الدول القطرية، من التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، الذي تعيشه حاليا.
فإذا تعافت الأجزاء، أصبح بوسع «الكل العربي» أن يتفاعل على أرضية جديدة جيدة، بما يحصن الدول العربية ضد الهجمة الاستعمارية الحالية، أو على الأقل يجعلها في منعة من الضغط الخارجي القاسي، الذي يرمي أساسا إلى هضم العرب في استراتيجيات وضعها غيرهم لخدمة مصالحهم.
ومن المتصور وجود حزمة من المبادئ العامة التي يقوم عليها هذا التيار الجديد، يمكن ذكرها على النحو التالي:
1ـ منظومة قيم لا أيديولوجيا: فقد جرب العرب الأيديولوجيات الجامدة غير مكتملة الملامح، والتي علّمت من اعتنقوها كيف يبررون أوضاعا خاطئة، ويمارسون وعيا زائفا ضد الجماهير الغفيرة، ويفتقدون مهارة النقد البنّاء، ويفشلون في ترتيب الأولويات. وأدى هذا الوضع، في كل الأحوال، إلى إضعاف قيمة الحرية، إن لم يكن الإتيان عليها تماما.
وانتهى هذا التأدلج إلى إخفاق تلو الآخر، فتطبيق «المساواة الحسابية» في الاقتصاد قاد بعد بضعة عقود إلى أغلبية كاسحة ما بين فقيرة وتحت خط الفقر وأقلية من القطط السمان.
وانتهت رأسمالية الدولة أو التخطيط المركزي للاقتصاد إلى «دولة خاسرة» باعت أغلب ما تملكه بثمن بخس، ولم يبق من وهج الأيديولوجيا سوى الميراث الاستبدادي. أما المزاوجة بين الحرية والمساواة والعدالة والتسامح.
والحصول على الوسيط القيمي بينها ليشكل إطاراً عاماً للحركة السياسية والاجتماعية العربية، فمن المؤكد أنها ستقود إلى نتائج أفضل بكثير من الأيديولوجيات الجامدة البائسة.
2ـ المؤسسة وليس الفرد: فالعرب عوّلوا طويلاً على الشخصيات «الملهمة»، ولا تزال تعشش في أذهان الكثيرين منهم أحلام انتظار الفارس المقدام، الذي يخرجهم من النفق المظلم الذي يمرون به بطيئاً.
وقد آن الأوان للجميع أن يؤمنوا بالمؤسسة، ويحصّلوا ثقافتها، التي تتطلب توافر القوانين واللوائح الضابطة، والمعايير والحدود الجلية، وتطبيق مبادئ الرقابة والمحاسبة، التي تمنع الدكتاتوريات والأوليجاركيات، التي عرفتها الدول العربية خلال مرحلة ما بعد الاستقلال.
3ـ الناس قبل السلطان: فتطبيق أفكار «القومية العربية» قام على أكتاف من بيدهم السلطة، وحتى إن جاء بعضهم إلى سدة الحكم من دون أفكار مسبقة، فإنهم لم يلبثوا أن تبنوا التصور القومي، بحثاً عن شرعية، ومن ثّم لم يخلصوا للعمل القومي كما ينبغي، إنما اتخذوه، في أغلب الأحيان، مطية لترسيخ سلطانهم.
أمّا لو امتلكت الشعوب ناصية قرارها، فاختارت من يحكمها، وصوتت على الإطار السياسي الذي يشكل مرجعية مرنة للسلوكيات والقرارات اليومية، وأبرمت «عقداً اجتماعياً» مع السلطة لتسيير الأمور على ما يرام، فإن هذا يعزز من فرص إقامة علاقات عربية.
ـ عربية على أساس متين، لا يتأثر بأهواء بعض الحكام ولا يتضرر من الأمور الطارئة والعارضة التي طالما عكرت ما بين دولة عربية وأخرى، في مشهد مللنا تكراره. وحتى نصل إلى تمكين الشعوب العربية من قرار ينتصر للعمل القومي، فإن الجماعة الوطنية في كل قطر عربي على حدة مطالبة بالنضال من أجل الديمقراطية.
4 ـ قومية لا تخاصم القطرية والأممية: فالعروبيون عاشوا عقوداً ينظرون إلى القطرية والأممية الإسلامية على أنهما خصيمان للقومية العربية، وتجاهلا في غمرة الشعور الزائف بالانتصار الحتمي، أن المتحمسين لرفعة أقطارهم لا يعادون بالضرورة العمل العربي المشترك.
وأن الحالمين بأمة إسلامية واحدة لا يقفون جميعاً في جبهة معارضة للعمل القومي، بل إن منهم من رأى في العروبة قلباً للأمة الإسلامية، أو مقدمة لها، أو أنهما لا يتعارضان أبداً.
وهناك من الإنتاج النظري والسلوك العملي ما يبرهن على ذلك. وقد آن الأوان لفض هذا الاشتباك، الذي هو في أغلبه صنيعة التسرع واللاعقلانية، والصراع حول مصالح ضيقة، من دون وعي ولا تدبر.
وعلى هذه الأركان الأربعة، التي تنتظر الإضافة والتعديل والتطوير، من الضروري أن يجري حوار بناء بين النخب السياسية والفكرية العربية المتبنية للتوجه القومي.
والمتعاطفة معه، من أجل بلورة «ورقة عمل» يتم إخطار الجماهير الغفيرة بها، لإيجاد حالة من التعبئة القوية حول برامج تأخذ قوة سياسية في كل دولة عربية على حدة، على عاتقها تطبيقه في الواقع، في سبيل إنقاذ الوطن العربي من الوقوع مرة ثانية في فخ الاستراتيجيات الرامية إلى جعل «العروبة» مجرد مسألة تاريخية.
مدير مركز بحوث ودراسات
الشرق الأوسط ـ القاهرة