لو كان الموت بضاعة، لكان عراق اليوم من أكبر المُصدِّرين لها. فالمرء بات يُصاب بالدّوار عندما يقف على ما بلغه إنتاج هذا البلد المنكوب، من الدم المهدور؛ ظلماً ومجاناً. وكأن الإنسان العراقي تحوّل إلى مجرد رقم، أو إلى سنبلة في موسم الحصاد تنتظر المنجل لتهوي وتواجه مصيرها المحتوم، بالمفرق وبالجملة.
صار الموت قدراً يومياً للإنسان العراقي. فهو واقع بين نارين: واحدة منظمة وأخرى مجنونة. الأخيرة ضربت غلّتها، أول من أمس، الرقم القياسي: أكثر من 150 ضحية و500 جريح. يوم مرعب آخر شهدته العاصمة العراقية.
سلسلة من التفجيرات والعمليات الانتحارية المتلاحقة، حوّلت بغداد إلى مدينة أشباح. والمؤلم، بل المخيف أن صناعة القتل صارت تمارس بأساليب مبتكرة تهدف إلى حصد أكبر عدد ممكن من الأرواح بضربة واحدة وبكل برودة أعصاب:
الانتحاري يسوق أكثر من مئة إنسان إلى حتفهم بخدعة أنه مقاول وبحاجة إلى عمال، فيتراكض المحتاجون إلى العمل ولقمة العيش وراءه؛ ليقعوا في شباك حيلته، عندما اقتربوا من سيارته المفخخة، التي سارع إلى تفجيرها بهم!
هل صار التفنن مباحاً في إزهاق الأرواح؟ ولا تقف الفجيعة عند هذه الحدود؛ بل هي مفتوحة على نكبات وفواجع، لا نهاية مرئية لها. فرائحة الفتنة تزكم الأنوف، الاستهدافات تحمل هذا الطابع بوضوح.
واللغة الثأرية متداولة علناً وصراحة في البيانات المنسوبة للجهات الفاعلة. وبالرغم من الدعوات والتحذيرات بخصوص وجوب التنبه من محاولات الإيقاع بين العراقيين؛ إلا أن ما يجري على الأرض يبدو أنه يدفع بقوة ويسوق الأوضاع في هذا الاتجاه. ثم إن التوقعات لا تنفك عن الحديث بلغة أن المقبل من الأيام أقسى وأفظع. والأدهى أن التأزيم، على الجبهة السياسية، متواصل وبوتيرة متسارعة؛ بحيث إنه يصبّ في مفاقمة وتغذية مناخات العنف.
الدستور تم أمس وضع مسوّدته، بصيغتها النهائية ولا يزال الانقسام حوله، على ما كان عليه. فإذا كان التوافق السياسي متعثّراً والوضع الأمني يزداد في التدهور، عندئذ يصبح السؤال أكثر إلحاحاً حول المآل الذي ينتظر العراق.
كما أن من شأن ذلك أن يفرض التساؤل، مرة أخرى، عن الغياب الإقليمي الدولي عن هذه الساحة وتركها تنزف وحدها وكأنها سائرة نحو جنازة مستديمة، ليس في الأفق ما يشير إلى أية ملامح لنهايتها. فهل من يقظة من السبات العميق قبل فقدان الأمل؟