الإدارة الأميركية تريد تحميل سورية مسؤولية إخفاقها العسكري والسياسي في العراق، هذا واضح في تصريحات ومواقف المسؤولين الأميركيين، الذين يديرون حملة اتهامات لسورية بشكل منسق ومدروس بإتقان.

سورية لا تضبط حدودها مع العراق، ولا تمنع التسلل عبر هذه الحدود، ولا تساعد في العملية الديمقراطية الجارية في العراق، سورية لا تتعاون في الشأن اللبناني، سورية تدعم المنظمات الفلسطينية «الإرهابية»، مثل هذه العبارت تتكرر هذه الأيام بشكل لافت للانتباه على ألسنة المسؤولين الأميركيين وفي مقدمتهم الرئيس بوش الذي هدد أول من أمس بما سماه مزيداً من العزلة لسورية، مدعياً أنها لا تتعاون مع الحكومة العراقية في ما يتعلق بأمن العراق. ‏

اتهامات واتهامات لا حدود لها، وكل ما فيها يؤكد أنها كيدية وغطاء هش للاخفاقات الأميركية المتوالية في العراق، فسورية تضبط حدودها قدر ما تستطيع مع العراق­ وهي حدود طويلة تمتد لأكثر من 650 كيلو متراً على أراض صحراوية­ وقد أقامت لهذه الغاية سواتر ترابية، وأحدثت المزيد من نقاط المراقبة، وسيرت دوريات على طول هذه الحدود، واعتقلت المئات ممن حاولوا التسلل وسلمتهم إلى دولهم. ‏

ماذا تريد إدارة بوش غير ذلك؟ وهل بإمكان سورية أن تفعل أكثر من ذلك لحراسة حدود يستحيل عليها حراستها؟ ‏

وللتذكير فقط فإن رئيس أركان القيادة الوسطى الأميركية، وهو العسكري الميداني العارف بالأمور، قال قبل أيام فقط: إن سورية تتعاون على الحدود مع العراق، وتقوم بما تستطيع لمنع التسلل، فهل ما قاله المسؤول العسكري الأميركي الميداني كان زلة لسان أم أنه نسي التعليمات وهو يدلي بتصريحه؟ ‏

والمثير للدهشة هنا هو أن المسؤولين العراقيين ومنهم وزير الدفاع يقولون: إن تسلل المسلحين من سورية يتم عبر البوابات الحدودية، وقد أغلقوا لهذه الغاية بوابة اليعربية، ياللعجب! إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يتم توقيف المتسللين فور عبورهم إلى الجانب العراقي من هذه البوابات؟ ‏

ولماذا يسمح لهم بالدخول، والانتشار ماداموا يدخلون من منافذ نظامية ويمرون على السلطات العراقية؟ ‏

أسئلة كثيرة لن يستطيع المسؤولون الأميركيون والعراقيون تقديم الأجوبة القاطعة عليها، لأن الاتهامات الموجهة إلى سورية لا تستند إلى أية أسس موضوعية. ‏

هذا من جهة ومن جهة ثانية من قال: إن سورية لا تتعاون في الشأن اللبناني، رغم الإساءات التي تعرضت لها والتشويه المقصود لمواقفها، وتجاهل ما قدمته من تضحيات هائلة لإعادة السلم الأهلي للبنان ووقف الاقتتال الطائفي المدمّر هناك. ‏

سورية نفذت ما يخصها من القرار 1559 بشهادة الأمم المتحدة، وأبدت كل الاستعداد للتعاون في التحقيق بجريمة اغتيال الحريري، واتفقت مع ديتليف ميليس على مجموعة إجراءات في هذا الشأن، وفوق ذلك فهي تؤكد باستمرار حرصها على مساندة لبنان، وعلى تعزيز أمنه واستقراره ونموه، على قواعد الترابط بين البلدين الشقيقين، واللبنانيون يعرفون ذلك ويعلنونه على الملأ، فلماذا الاتهامات إذاً؟ ‏

من الواضح أن إدارة بوش، وبعد أن وقعت في حفرة أخطائها تريد صرف الأنظار عن الإخفاقات الشديدة التي مُنيت بها في العراق، عبر توجيه الاتهامات إلى سورية، وتوجيه الأنظار إليها. ‏

إدارة بوش تريد أن تخدع الأميركيين مجدداً، وتدفعهم لنسيان نتائج الحرب على العراق، بعد أن اتسعت النقمة الشعبية الداخلية على اليمين الأميركي المتطرف الذي يقود البلاد إلى المزيد من الكوارث، دون أن يعير أي اهتمام للمآسي الداخلية الأميركية، ويرفض إعادة النظر بالسياسات القائمة على منطق القوة والهيمنة وإملاء الشروط. ‏