أطلق حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى برنامج عمل سياسيا لا يعكس استراتيجية الدبلوماسية القطرية فحسب بل يشكل رؤية عميقة المضمون مستنده إلى معطيات عملية تصلح أن تكون إطارا موضوعيا يلتزم به قادة الدول وصناع القرار للتصدي للأزمات الأممية التي تشغل العالم بأسره.
لقد شخص سمو الأمير المفدى في كلمتيه أمام جامعة نيويورك وأمام الجلسة العامة رفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، الداء وقدم الدواء الذي يضمن العلاج الناجع لكل الملفات الساخنة.
إن هذا العالم المسكون بهواجس النزاعات والحروب، تكمن مشكلته في النقاط الجوهرية التي حددها سمو الأمير المفدى، وهي:
أولا: ربط الإرهاب بالدين. وهذا خطأ فادح ترتكبه الأمم والشعوب، لأنه لا يجوز - كما يقول سموه - «أن ننسب حدثا إرهابيا إلى دين بعينه فنقول مثلا عن الانفجار الذي وقع في مدينة أوكلاهوما إنه إرهاب مسيحي مثلما أنه من الخطأ أن ننسب أحداثا أخرى ونقول إرهابا إسلاميا. فالمشكلة تحتاج إلى خطاب يفصل الدين عن الإرهاب.
ثانيا: الحوار بين الحضارات، وتكمن أهمية الحوار بين الشرق والغرب أو بين العالمين الأمريكي والإسلامي، في أنه يشكل المدخل الأول لمعالجة التحديات والأزمات مهما كان حجمها ولهذا عبر سموه عن إيمانه المطلق بأهمية الحوار للوصول إلى التفاهم المشترك بين الحضارات، إلا أن للحوار شروطا يفترض توافرها لتحقيق النجاح، وقد أشار إليها بقوله إن الحوار يحتاج إلى مناخ يتيح التواصل ويقوم على الاحترام المتبادل بين أطرافه وأن يتعهد أطرافه بالمحافظة على عملية التقارب الجارية فيما بينهم من أجل مستقبل أفضل للحضارة. وإذا ما توافر هذان الشرطان فإن التباين بين الشعوب والأمم لن يقوض أبدا عملية الحوار بل سوف يساعد على جني فوائد السلام والحرية.
لقد قدم سمو الأمير المفدى رؤية حكيمة لعملية إطلاق الحوار وشروط تفعيله محذرا من أن البدائل الأخرى للحوار ستكون سيئة مشيرا إلى أعمال التطرف والإرهاب والحرب التي ظهرت مؤخرا. ولذلك كان لابد لسموه أن يطلق دعوة صريحة للدول والمؤسسات لتهيئة التفاهم وتعزيز الثقة في قيمة الحوار.
ثالثا: الفقر والتنمية. وهما مسألتان تقفان عائقا أمام علاج الأزمات فلا يمكن القضاء على الاضطرابات في ظل الفقر وغياب التنمية، فالجائعون - كما يقول سموه - لايريدون الحوار بل يريدون الطعام، فالمعاناة التي تثير لدينا الوعي بما يعانيه الآخرون تدفعنا إلى الاهتمام بالحوار.
ومن هنا تتجلى أهمية تحقيق أهداف التنمية للألفية، التي كانت قطر السباقة في تحقيقها قبل الموعد المحدد لها. مثلما حرصت أن تكون شريكا داعما للجهود الدولية المبذولة من أجل التنمية ومكافحة الفقر لأن استباب السلم والأمن الدوليين يعتمد - كما يقول سموه - على تعميم ثمار النمو العالمي بطريقة أكثر عدلا وإنصافا.
إن هذه النقاط الجوهرية التي حددها سمو الأمير المفدى أمام قادة دول العالم برنامج عملي لكل الراغبين بإيجاد حلول ناجعة لهذا العالم المضطرب. وفي ذلك تأكيد جديد على أن حضور سمو الأمير في المنتدى الدولي كان بحجم تطلعات الشعوب العربية والإسلامية، وإنجازا كبيرا يضاف إلى رصيد الدبلوماسية القطرية.