الرئيس بوش كان في نظر شعبه بطلاً قومياً في التصدي للإرهاب بعد فاجعة برجي نيويورك، والاعتداء على واشنطن، حتى إن احتلال العراق وأفغانستان كان حصيلة تراكمات لدراسات عن الدور الذي يجب أن تلعبه القوة العظمى حين تفردت بالنفوذ والقوة، بعد انحسار دورالسوفيات وتفتت امبراطوريتهم، لكنه عجز عن مواجهة الإعصار المدمر (كاترينا)، فالحادثة الأولى كانت بفعل بشري استدعى الرد عليه بقوة السلاح وهي الفرصة التي أتاحها كل من ابن لادن، وصدام حسين، أما الثانية فقد جاءت بفعل عوامل طبيعية، أي أن العدو غائب، وهنا صار التزامن بين التذكير بالعملية الإرهابية وإعادة الرثاء للقتلى وحالات التدمير، مع صورة ما دمرته العواصف وبسببه انكشف التقصير الخطير للحكومة الفدرالية، وبسبب هذا الفعل جاء من يحاكم الرئيس بوش ونبش حربي أفغانستان والعراق، ومصاريفهما الباهظة..
تسونامي حادث مدمر فاق كل التوقعات بقوته، وانتشاره، لكنه جاء على مواقع دول فقيرة، أو متوسطة الحال، مما استدعى التعاطف مع تلك الشعوب، ومحاولة إغاثتها بحسنات الأغنياء، ولم يكن للجانب السياسي فيها أي دور رغم قوة الكارثة وتدميرها، لكنها عكس إعصار (كاترينا) الذي فتح النوافذ والأبواب على مسائل كانت مغيبة جعلت الأميركي العادي يكتشف جوانب القصور ليس فقط للكارثة باستعدادات تليق بسمعة الدولة العظمى، بل بصورة الفقر التي أعادت للعالم صورة مختلفة عن الدولة الغنية والمحسودة على نعمتها وتقدمها..
لقد انهارت الشيوعية في الاتحاد السوفياتي لأنها بقيت تركز على قوتها العسكرية، ونسيت تدني حالات التنمية للمواطن، وقد سقطت بفعل تناقضاتها، وكان الغرب الرأسمالي أول الضاحكين، والشامتين، وخاصة القلعة الكبرى أميركا، لكن إعصار كاترينا كشف ما يوازي ذلك الخراب الداخلي بالامبراطورية السوفياتية، وهنا فقط يمكن اعتبار الرأسمالية والشيوعية زوجتين غير طاهرتين قياساً على واقع تاريخي ظل يقول عن صعود وسقوط الأمم بأسباب عواملها الداخلية، وقطعياً لا نستطيع إطلاق هذا الحكم على أمريكا بسرعة انهيارها، لأن لديها القدرة على التصحيح، لكن كاترينا يظل حدثاً بمستوى تدمير برجي نيويورك، وقد يكون التغيير السياسي مرتبطاً بتحولات اجتماعية، ربما تعيد أميركا للانكفاء على الذات وترك أهدافها الاستراتيجية بتركيب العالم وفق مواصفاتها، وهذا بدوره ربما يغير من فلسفات ونظريات بأن القوة لها حدودها خاصة حين يكون تقدم تقنيات السلاح على حساب الرفاه الاجتماعي..