تساءلنا في مقال الأمس عن تداعيات ارتفاع الأسعار على الأفراد والمجتمع. وقلنا أن ارتفاع الأسعار غير المبرر وغلاء المعيشة سيكون لهما تداعيات سلبية على المجتمع، وهي تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية وثقافية. فالوظيفة أصبحت أغلالاً وسداً منيعاً ومنهكاً في ظل الغلاء الذي شهدناه في الفترة الأخيرة.
وأصبحت غير قادرة على النهوض بأعباء أسرة الموظف أو تأمين مستقبل أبنائه كما هو مفترض. فما يقبضه الموظف اليوم لا يبقى منه شيء للغد. لذا فهو سيبدأ في البحث عن مصادر أخرى تزيد من دخله الشهري وتحسّن أوضاعه. ولأننا بشر لا نتفق بقدر اختلافنا، ستختلف مصادر الدخل المساندة. فالبعض سيبحث عن الفرص التجارية والاقتصادية التي تتيحها الدولة فيسعى للاستفادة منها بطرق مشروعة، في حين يبحث آخرون عن الربح السريع والثراء الأسرع وان كان بطرق غير مشروعة، وهنا تكمن المشكلة.
فالفساد المالي الذي تشهده بعض مؤسسات الدول يأتي نتيجة ضعف الوازع الديني أولاً ونتيجة الحاجة وقلة الموارد ثانياً بالإضافة إلى ضعف الجهات الإدارية والرقابية. ومجتمعنا مازال بخير لأن معظم الناس مازالت ضمائرهم حية، لكن الحاجة وقلة الموارد المالية التي ستعجز عن مواجهة موجة الغلاء ربما تكون سببا في وقوع البعض في دائرة الفساد، من خلال رشوة أو نصب أو احتيال أو سرقة وغير ذلك من طرق ليست مشروعة.
ولا يتصور القارئ أننا نبالغ في وصف تداعيات هذا الغلاء على المجتمع، لأن صاحب الوظيفة والراتب لا يعرف إلى أين يذهب، ولا أي ملجأ يلوذ به، فلا البرامج الوطنية تنظر كما ينبغي في أحواله، ولا تكاليف الحياة وغلاء المعيشة يرأفان بحاله. ونأتي إلى أمر آخر، العنوسة والزواج من أجنبيات قضيتان شغلتا المختصين والمسؤولين،
وعلى الرغم من دعم صندوق الزواج للمواطنين، وعلى الرغم من المطالبات المستمرة بعدم المغالاة في المهور، إلا أن العنوسة تتزايد في مجتمعنا والزواج من أجنبيات مستمر إن لم يكن آخذ بالزيادة. فكيف ستكون الأوضاع الأسرية والاجتماعية في ظل الغلاء الذي سيجر آثاره على المهور وتكاليف الزواج ليصبح حجة للارتباط بأجنبيات أو العزوف عن الزواج، وسيكون سببا في ظهور مشكلات اجتماعية أخرى.
المقيمون، مواطنين ووافدين، اعتادوا على نمط معين من المعيشة، نمط رفاهية إن صح التعبير عنه، فكيف نطالبهم الآن بالاقتصاد في معيشتهم بعد أن أصبحوا غير قادرين على موازنة دخلهم الشهري؟ وكيف نطالبهم فجأة بتغيير نمط ثقافتهم الإنفاقية والاستهلاكية دون أن نمهد لذلك ودون أن نعودهم تدريجيا؟
ما ذكرناه يعد شيئا يسيرا بالنسبة للآثار التي سيخلفهما ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، أما الآثار الباقية فليس من مسؤولياتنا البحث عنها، لان هناك جهات مسؤولة أخرى شأنها البحث عنها ومراقبة السوق وضبطها ودراسة الآثار المترتبة على رفع سعر أي سلعة حيوية كالوقود وغيره من السلع.
نأمل على الجهات المسؤولة وضع حلول منصفة للوضع الاقتصادي الذي يعاني منه الأفراد دون أن يستطيعوا فعل شيء. ففي السابق كانت لديهم خيارات في السوق لاختيار الأنسب والأفضل من السلع التي تتلاءم ومصدر دخلهم، أما الآن وقد اكتسح الغلاء كل شيء بدءا بالمسكن إلى الملبس إلى المأكل فلم يبق أمامهم خيارات سوى الرضوخ لموجة الغلاء، وهذا ما لا نتمناه لأنه سيجبرنا مستقبلا على الرضوخ والتعايش مع تلك التداعيات السلبية التي ستعم المجتمع بأسره.
maysaghadeer@yahoo.com