أغلق مطار بغداد منذ أيام بسبب خلاف نشب بين شركة أجنبية خاصة والحكومة العراقية على تنفيذ عقد لتأمين أمن المطار. وإن بدا وقع الخبر على مسمعنا غريبا إلى حد بعيد، إلا أن للحدث دلالة كبيرة لا يمكن إغفالها دون شك، مفادها في الحدود القصوى أن الدول الوطنية تتجه في ظل العولمة وتحرير الأسواق المالية والخصخصة نحو فقدان السيطرة والتحكم في مواردها بما في ذلك مرافق حيوية لديها قد تكون خطوط طيران أو ربما قطاع ماء وكهرباء أو سكة حديد.
وان شعوب تلك الدول باتوا تحت رحمة متعهدين ومستثمرين قد لا يأبهون بغير منطق الربح والخسارة، ولا يعيرون اهتماما للمصلحة العامة واعتباراتها.وعلى الرغم من أن ما حصل خارج عن القوانين والأصول المألوفة وهو تصرف ناتج عن الوضع الخاص الذي يمر به العراق،
إلا أنه ليس بعيدا عن الخيال تصور ذلك اليوم الذي تأتي فيه هذه الشركة الأجنبية متحصنة بحكم مرجعه هيئة تحكيم دولية في بلد أجنبي يقضي بحجز ممتلكات تخص مرفقا حيويا للدولة العراقية كالمطار. أما الجهاز التنفيذي المكلف بتنفيذ الحجز فقد يكون الحكومة العراقية نفسها.
اليوم في العالم الكثير من العقود التجارية والاستثمارية التي تتضمن اللجوء للتحكيم الدولي، وقد بدأ تصديق هذه الممارسات في إطار القانون الدولي. فقد تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2004 اتفاقية دولية ترفع فيها الحصانة المطلقة التي كانت تتمتع بها الدول ومؤسساتها ومشاريعها من ولاية محاكم دولة أخرى وأجهزتها فيما يتعلق بنشاطات الدولة التجارية،
بمعنى أن خطوط الشحن أو الطيران أو شركة الحديد والصلب أو أي هيئة مشتريات حكومية تابعة لدولة ما قد تكون مستقبلا عرضة لحجز ممتلكات أو دفع أضرار وتعويضات نتيجة خرق لأي معاملة تجارية متفق عليها مع جهة خاصة. ولا شك في أن هذه الاتفاقية سوف تشكل البداية في هذا المنحى الذي يتجه نحو المزيد من العولمة المالية. فقد أعربت الولايات المتحدة عرّابة هذه السياسة بأن الاتفاقية انجاز مهم جدا على الرغم من أن العمل لم يكتمل كليا فيها.
ولكن، هل من داع للاستغراب في أن تنقل المراجع القضائية إلى الخارج في ظل دخول الأموال الأجنبية إلى قلب القطاع العام ومؤسساته، وفي أن تفرض الاتفاقيات الثنائية عقود تحكيم دولية ملزمة؟ فها هي الحكومات تفقد قدرتها على التحكم بأوضاعها الاقتصادية والمالية بعد أن نقلت العولمة القرارات الاقتصادية إلى يد مجموعة من المستثمرين والمقرضين تقوم مؤسساتهم بإعطاء صفة الصحة والسلامة على اقتصاديات البلدان وسياساتها،
وبعد أن أصبحت التشريعات الاقتصادية والتجارية لا تستطيع التنطح أعلى مما تفرضه الاتفاقيات الدولية وبعد أن باتت الإملاءات الخارجية هي التي تسير الاقتصاد الكلي.لكن حينها ما الذي يتبقى لنا لاختياره والتصويت عليه إذا ضعفت قدرتنا على رسم تشريعاتنا الاقتصادية وأصبحت مرجعيتنا القانونية تأتي من الخارج بأثواب تحكيم وغيرها؟