ليس صحيحاً أن الديمقراطية تقتصر فقط على صناديق الانتخاب، بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي، بل الأصح أن هذا النوع من الديمقراطيات الشكلية لم ينتج سوى الكوارث في أمم، انتقلت فجأة من جحيم الطغاة ومستنقع الفساد إلى فضاء ديمقراطي، يفتقر إلى آليات واضحة وأدبيات راسخة ومعايير محددة ترسم طرق الممارسة السياسية، وتحول دون تحولها إلى سوق تباع فيه الضمائر والأصوات وتزيف الإرادة الشعبية، وتقام التماثيل لأبطال وهميين من ورق، بدلاً من أن يساقوا إلى ساحات المحاكم.
في تاريخنا القريب، لم تنتج ديمقراطية صندوق الانتخاب، في ظل غياب استقلال الفرد وحرية الوطن سوى أتعس الرموز وأكثرها عقماً وإفلاساً، وبدلاً من ان تدفع التجربة عجلة التقدم والتطور، أسهمت في تكريس التخلف، والتبعية للأجنبي، وعمقت الفجوة بين القوى والطبقات الاجتماعية، وأوجدت دوافع إضافية للفتن بين الطوائف والأحزاب الورقية، وأقامت حاجزاً معرفياً بين الغالبية الصامتة والعمل السياسي الذي أصبح مرادفاً «الفهلوة والاحتيال» وفن يجيده «كذابو الزفة».
وحتى لا يبقى حديثنا محلقاً في فضاء التنظير والتهويم، نضرب مثلا بما شهدته الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة، من تجاذب واستقطاب بين كل ألوان الطيف الحزبي، كان محورها الوعود الخيالية التي ترسم للمحرومين والعاطلين والمظلومين غداً وردياً، يجعل حياتهم وأيامهم كلها ربيعاً وأعياداً سعيدة، وفى نفس الوقت حفلت بأعنف حملة هجاء سياسي ونفاق رخيص، مارسه منتفعون جدد على جبهة الإعلام والإدارة.
في هذه الانتخابات حضرت «العصا السحرية» بيد المرشحين، لا فرق بين من له تاريخ أو وزن نسبي أو الذي قذفت به أمواج مد التدخل الأجنبي أو «تسونامي الإصلاح الأميركي» فالكل سواء، حتى قارئ الكف خبير «اليازرجية» صاحب الطربوش وعبارة «لو فزت لا قدر الله»، واختلط كثير من الهزل بالقليل من الجد، وغاب عن الجميع التصدي للمرض الفتاك الذي يأكل الزرع والضرع ولا يبقى على اخضر ولا يابس،
وكأن الفساد بات قدراً على المصريين ان يتجرعوه ويتعايشوا معه ويتكيفوا مع قوانينه «الهمايونية».والسؤال الذي يفرض علينا طرحه بعد انتهاء «زفة» الانتخابات: لماذا حدث توافق على الصمت ولم يظهر للحرب على الفساد اثر في البرامج والوعود الانتخابية، هل صحيح لأن «لوبي» الفساد هو الأقوى الآن وله من الأنياب والمخالب ما يكفي لإسكات كل من يتسلح بالجرأة، ويجبره على ابتلاع كلماته قبل ان يلفظ بها لسانه، بدلاً من ان يقطع أو يخرس إلى الأبد.؟
السؤال مشروع بنفس قدر مشروعية واجب الدفاع عن مستقبل واستقرار مصر ومحيطها العربي، والتغاضي عن طرحه، يدخلنا تحت دائرة الإثم والخطيئة السياسية، والتهرب من الإجابة عنه يعني القبول بالتفريط في مستقبل الأجيال القادمة، ويستوي في جرمه مع مرتكب جريمة الخيانة العظمى.
سؤال الفساد هو عنوان جدية الطرح السياسي ومعيار التفرقة بين الانتهازيين وبارونات «البيزنس» من جهة والمشتغلين بالعمل العام من باب فرض العين الوطني، وبنفس قدر أداء الجندي لواجب وفريضة الخدمة في صفوف الجيش، وبدون هذا المعيار يتحول العمل الحزبي والسياسي إلى مرتع للأفاقين والمنتفعين والمتاجرين بأصوات الجمهور،
وتصبح الديمقراطية مجرد حيلة ووسيلة من وسائل اللص الظريف «روبين هود» الذي يرفع شعار العدل لتبرير وتجميل قيامه بسرقاته ودغدغة مشاعر الفقراء والمحرومين بقرب توزيعه تلك السرقات عليهم، ليملأ الأرض عدلاً، وهو يشيع في الواقع الفساد، ويعولمه.غياب سؤال الفساد عن المعركة الانتخابية في مصر،
يذكر للأسف بمصير الديمقراطية في الفلبين، التي تعرضت تاريخياً لأبشع عملية مسخ للهوية تحت وطأة «الأمركة»، وعندما أسقط الطاغية ماركوس، دارت عجلة إنتاج الفساد لتأتي بممثل تخصص في أداء دور «روبين هود» وأجلسته على كرسي الرئاسة، قبل ان يطاح به، ليحل محله وجه آخر من وجوه الفساد. نثق ان مصر لا تستحق هذا المصير المخزي، الذي يلوح في الأفق إن لم نتسلح بقدر وافر من الشجاعة والحكمة التي تفتح الملفات المسكوت عنها.