إن السياسة الأميركية التي تتبعها إدارة الرئيس بوش في الشرق الأوسط منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 هي سياسة تخبط وعدم وضوح في الرؤية أو حتى في الأهداف. فهي سياسة اعتمدت مبدأ نشر الفوضى وعدم الاستقرار لإحداث تغييرات جوهرية على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني في المنطقة. ولتحقيق ذلك اعتمدت الإدارة الأميركية مبدأ التدخل والتحدي أحادي الجانب لخلق التغيير المرجو تحقيقه، الأمر الذي شكل سابقة خطيرة وتحول نوعي للسياسة الأميركية التقليدية في منطقة الشرق الأوسط.

هذا التحول الدراماتيكي أصبح يشكل عاملاً أساسياً ومؤثراً على طبيعة العلاقات الأميركية - العربية من جهة والعلاقات العربية - العربية من جهة أخرى، من منطلق أن الدول العربية أصبحت ترسم سياستها الداخلية والخارجية على قاعدة المطالب الأميركية لإحداث تغييرات في أنماط السياسات الداخلية العربية والاهتمام بالمصالح القطرية الضيقة للدول العربية على حساب المصالح الإقليمية.

بالفعل لقد ساعدت أحداث 11 سبتمبر 2001 الإرهابية في نيويورك وواشنطن الإدارة الأميركية على التغلغل والتورط في الشرق الأوسط بشكل مباشر على كافة الصعد بقدر لم يسبق له مثيل. فعلى الصعيد السياسي تبنت إدارة الرئيس بوش عدداً من القضايا الحساسة مثل نشر الديمقراطية والحريات والمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية وتعليمية في العالم العربي في الوقت الذي استمرت سياستها تجاه ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي دونما تغيير،

وتركت الدولة العبرية تتبع سياسات متشددة حيال تنفيذ القرارت الدولية واحترام الشرعية الدولية ، الأمر الذي يساهم في دفع الأوضاع المعقدة الموجودة في كافة أرجاء العالم العربي إلى مزيد من التطرف والتشدد من جهة وإلى التخبط واللااستقرار من جهة أخرى.

وفي هذا الخصوص تحديداً أبدت العديد من الدول العربية استياءها تجاه السياسة الأميركية، في حين أن دولاً عربية أخري رأت أن تتبنى موقفاً إيجابياً تجاه هذه السياسة، معلنة عن رغبتها في تبني الكثير من المقترحات الأميركية، الأمر الذي أصبح يشكل عاملاً داعماً لمزيد من الخلافات العربية - العربية.

أما على الصعيد العسكري فإن الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان ساهم كثيراً في تدهور المصداقية الأميركية عند كافة شعوب المنطقة ومعظم النخب والطبقات الحاكمة، وخلقت الكثير من التناقضات بين الخطاب السياسي الأميركي المطالب بالديمقراطية والإصلاحات واحترام حقوق الإنسان والممارسات العملية البشعة التي يمارسها جنود الاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان وجنود الاحتلال الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.

كما ساهم في تعظيم الفجوة والتناقضات بين حكومات وشعوب المنطقة ، مما دفع بعضاً من الحكومات العربية باتجاه تبني المواقف الأميركية كضمانة لبقائها واستقرارها، أو باتجاه التمسك بالحدود الدنيا للثوابت العربية التقليدية لدى البعض الآخر. إضافة إلى ذلك، نجحت الإدارة الأميركية في إبرام اتفاقات عسكرية مع عدد من الدول العربية وخاصة في منطقة الخليج العربي

مما أثر سلباً على العلاقات العربية - العربية ومهد لإعطاء دور بارز لدول عربية صغيرة الحجم على حساب دول عربية لعبت تاريخياً دوراً إقليمياً فاعلاً. ويبقى أن هناك بعض الدول العربية التي ترفض أساساً أي تدخل عسكري أميركي وتعتبر أن أي اتفاق عسكري أميركي مع دولة عربية لابد أن يعود بالضرر على مستقبل العلاقات العربية - العربية.

أمنياً فإن الحرب الأميركية المعلنة على الإرهاب منذ ثلاث سنوات والخلط بين ما هو إرهاب وما هو مقاومة ضد الاحتلال عزز من سياسة المعايير المزدوجة التي تنتهجها أصلاً الولايات المتحدة في سياساتها الشرق أوسطية وساهمت بشكل كبير في تدهور المصداقية الأميركية، بل والأخطر من كل ذلك أن الشعوب العربية والإسلامية تشكل لديها قناعة بأن الولايات المتحدة تستعمل شعار الحرب على الإرهاب كوسلية للحرب على الإسلام في حقيقة الأمر.

وهذه القناعة بدأت تترسخ بشكل أقوى بعد ما آلت إليه الأوضاع المأساوية في العراق وبدء ممارسة الضغوطات الكبيرة على سوريا بحجة الحرب على الإرهاب والإرهابيين سواء في فلسطين أولبنان أوالعراق، بالإضافة للضغوطات التي تمارسها واشنطن على إيران تحت راية دعم الإرهاب في لبنان والعراق من جهة والجهود الإيرانية لبناء سلاح نووي.

وأخيراً الجانب الاقتصادي، فقد أصبح واضحاً في الفترة الأخيرة أن الولايات المتحدة الأميركية ترغب في عقد اتفاقات اقتصادية منفردة مع عدد من الدول العربية مثلما حدث بين الولايات المتحدة من جهة ومصر والأردن ودول خليجية من جهة أخرى. إن هذه التطورات سيكون لها دور حاسم في إعادة صياغة العلاقات العربية ـ العربية المختلفة لما لها من تداعيات عميقة على السياسات العربية البينية سياسياً واقتصادياً وأمنياً،

لأن مثل هذه الاتفاقات تضع شروطاً ملزمة على الدول الموقعة قد لا تصب في دعم المصالح العربية العليا في هذه المرحلة تحديداً، كمسألة التطبيع مع إسرائيل على سبيل المثال وليس الحصر. الغريب أن الدول العربية تصر على عدم الاستفادة من الأنموذج الأوروبي وكيف تمت صياغة العلاقات الأوروبية ـ الأميركية في المجالات الاقتصادية.

الحقيقة هي أنه يتحتم على الدول العربية كافة أن تمتلك استراتيجية سياسية وأمنية واقتصادية متكاملة ذات رؤية واضحة تقود إلى حماية المصالح العربية مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الأميركية في المنطقة، وذلك لأن استمرار الوضع الراهن التي تلعب فيه الحكومات العربية دور المتلقي والمتجاوب لاستراتيجيات أميركية سوف يضر بمصالح الدول العربية كافة على المديين المتوسط والبعيد،

وأن أثر هذا الانصياع لن يقتصر على دولة واحدة دونما الأخرى بل سيشمل الجميع وسيخلق وضعاً شديد التعقيد للأجيال العربية القادمة قد يصعب التعاطي معه. لذلك فإن التصحيح البرغماتي والعملي للعلاقات العربية - الأميركية على جميع الصعد هو ضرورة قصوى كما هو الأمر بالنسبة للعلاقات العربية - العربية من منطلق حماية المصالح العربية والمصالح الأميركية والدولية على حد سواء.

من ناحية أخرى فإن الدور الذي تلعبه الإدارة الأميركية الحالية تجاه الأحداث المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط يتسم بالتناقض والازدواجية تارة وبغياب المصداقية تارة أخرى، ولابد من تغييره. وأنه بالرغم من تبني خطاب سياسي يتحدث عن التغيير نحو الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال والإصلاح والسلام،

إلا أن الحقائق على الأرض تثبت عكس ذلك. والسبب في ذلك أن المنطق السياسي الأميركي تجاه المنطقة فشل في تصحيح مساره القديم وتعديله بما يتناسب ويتناغم مع موقع الولايات المتحدة في هذا النظام العالمي الجديد الذي تترأسه وتقوده. بالتالي فهو يقوض فرص النجاح في إحداث التغيير المذكور.

isam997@hotmail.com

كاتب وباحث سياسي