السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، معروف عنه أنه شخصية استفزازية. وهذا توصيف صادر عن أهل بيته، في مجلس الشيوخ الأميركي. ولذلك رفض هذا الأخير التصويت على تعيينه في هذا المنصب. لكن الرئيس بوش قام بعملية التفاف دستوري وفرضه في هذا المنصب.
ولم يكذب بولتون التوقعات، فمنذ لحظة استلامه لمهامه بدأ بمحاولة لوضع جدول إملاءاته موضع التنفيذ. البند الأول كان مطالبة الأمم المتحدة بإجراء إصلاحات تتناول 750 نقطة، متعلقة بجهازها وآلياتها ودورها. اقتحام آخر ـ وليس الأخير ـ له، كشف عنه قبل يومين، أثناء لقائه مع قيادات منظمات يهودية في نيويورك، بحضور السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة. قال السفير إنه يقوم بالتحرك والسعي «لضم إسرائيل إلى مجلس الأمن الدولي».
وتنهض حملته هذه على الزعم بأنه قد آن الأوان للخلاص من الحالة القائمة التي «لا تسمح لدولة واحدة ـ إسرائيل ـ من الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، بترشيح نفسها لعضوية مجلس الأمن»، وكأن هناك الكثير من المظلومية والتجنّي بحق إسرائيل! وكعادته حمل السفير على مجلس الأمن بزعم أنه منحاز ضد إسرائيل! طبعاً، ليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب. فهو من زمان، حبل الودّ مقطوع بينه وبين الأمم المتحدة ككل.
قال مرة إنه «لا يوجد شيء اسمه الأمم المتحدة، بل ولايات متحدة فقط». لكن الملفت في تصريحه هو توقيته: غداة رحيل الاستيطان والاحتلال عن غزة، ولحظة وصول شارون إلى نيويورك. وكأن في ذلك أول دفعة على الحساب في قائمة «المكافآت» التي تستعد إدارة بوش لإغداقها على شارون تقديراً لفعلته «السلمية» في مغادرة غزّة، وبصرف النظر عما إذا كان مثل هذا الوعد قابلاً للتحقيق في الآتي القريب أو المنظور أم لا،
إلا أن مجرد طرحه يشكّل خطوة استفزازية في أجندة الإدارة البوشيّة تجاه المنظمة الدولية والموكول إلى السفير بولتون تنفيذها.وإذا كان من المستبعد احتمال نقل مثل هذه القفزة إلى حيّز التنفيذ على الأقل في الوقت الحاضر، نظراً للاعتراضات التي تواجهها داخل مجلس الأمن، كما في المجموعات الدولية التي ترى أنها أولى من إسرائيل بالمقعد، إلا أنه لا ينبغي بالرغم من ذلك النوم على حرير مثل هذا الواقع. فكلام الوزير هو بالنهاية تعبير عن سياسة وتوجهات إدارة بوش.
هو فقط مكلّف بالترويج لها وتمريرها، بأسلوبه الاقتحامي. وعلى الدبلوماسية العربية التحرك المبكّر لإحباط مثل هذا التوجه. ولا بدّ من التذكير في هذا السياق أن الرئيس بوش الأب، وعد إسرائيل مرة بكسر قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة، الذي كان قد صنّف الصهيونية بأنها حركة عنصرية.
ونجح في ذلك، بالرغم من الاعتقاد آنذاك بأنه لن يقوى على ذلك، وبأن كلامه مجرد وعود سياسية. الرئيس بوش الابن يريد تكرار الشيء نفسه وأكثر، بإدخال إسرائيل إلى مجلس الأمن.الكرة في ملعب العواصم العربية. على الأقل حتى لا يكون هذا التعسف على حسابها، وحتى لا يكافأ المحتل بهذا الشكل.