بحثت، عبثاً، عن أي وجه للفرح، فكان قطاعاً محايداً من أرض فلسطين. قطاع غزة تخلص من الجندي الإسرائيلي في زاوية البيت، لكنه لايزال يطل على روحه من النافذة.حتى أولئك الذين عانوا 38 عاماً من قذائف المستوطنات، تدك أسرّة الأطفال، ورصاص الجنود يفرغ التلاميذ من صفوفهم إلى مقابر الشهداء، طغى الفتور على انفعالاتهم، وهم يرقبون رحيل آخر بزة عسكرية إسرائيلية.

وقع الحدث غاب في تعقيدات التفاصيل ومخاوف المستقبل الزاحفة.

ربما نجحت حكومة ارييل شارون، حيث أخفقت حكومة ايهود باراك: لم تترك للفصائل الفلسطينية الفرصة التي كانت لحزب الله في تنظيم أعراس التحرير واقتحام الزنازين في جنوب لبنان. مرحلت إسرائيل انسحابها من قطاع غزة، عبر تفتيت جلائها إلى جرعات متدرجة، فاحتوت دهشة الحرية المفاجئة.

الأهم، هو ما ترسخ في ذهنية الفلسطينيين (سلطة وفصائل وجمهور): الانسحاب ما هو سوى إجراء شكلي، يخلي الاحتلال من خلاله مسؤوليته عن معيشة مئات آلاف يحتشدون في فوهة أكبر انفجار سكاني في العالم. أحد أهم أركان الحرية، الاقتصاد، كيف لعامل يلهث لإطعام عشرة أطفال عبر العمل في إسرائيل أن يفرح بالتحرر إن أقفلت الدولة العبرية الباب أمام قوت أطفاله.

والفلسطيني، بوعي التجربة، يدرك أن المنح والهبات والمساعدات، ما هي إلا إحدى وسائل البرامج السياسية وصراع المصالح بين الدول الكبرى، ويعلم أن هذه المساعدات تشهد فورة مع احتدام النزاع.بتمرير أجندة أوروبية تحلم بموطئ قدم في مناطق نفوذ الإمبراطورية الأميركية. وعليه يدرك الفلسطينيون أن وعود اعادة الإعمار ومشاريع التنمية ستتبخر تدريجياً مع إعلان شارون في الأمم المتحدة انتهاء احتلال القطاع.

ويرتبط بالاقتصاد أيضاً عامل بالغ الأهمية، هو التنقل، فلا يستقيم العيش من دون غريزة الحركة، كما لا تستقيم التجارة من دون حرية حركة رؤوس الأموال. وهنا يجد الغزاويون أنفسهم محصورين في حدود قطاع يفتقر إلى الموارد ونسبة نمو سكاني مذهلة. أما عنوان التحرر فدائماً يقبع في الشعار الفوقي السياسي.

عندما تترك إسرائيل معابدها لإحراج الفلسطينيين وإظهارهم أمام العالم عديمي الاحترام للأديان الأخرى حال إقدامهم على هدمها، وعندما تصر على اعتقال المجالين الجوي والبحري لقطاع غزة ومواصلة احتلال معابره البرية، فإن الحرية تسقط حتماً من الشعار السياسي في اتجاه المعتقل الكبير.

جانب آخر لا يقل خطورة، بقاء عزل القطاع عن الضفة الغربية، وفي هذا ترسيخ لوطن البانتوستونات، الذي يعيش أبناؤه في جزر تعمق أزمتهم الاقتصادية وتغذي نزعة التمييز الفئوي على قاعدة: أنا أولاً. فرح الحرية في غزة مقزم عند حدود أول برج مراقبة عسكري إسرائيلي، وعند حدود كفاح منهك جديد وراء لقمة العيش، وأيضاً عند بقاء حلم الدولة المستقلة بعيد المنال. عند أول معبر إلى العالم الخارجي، سينظر ابن غزة في كشوف ممنوعات الضابط الإسرائيلي، وفي دماغه يشتعل ألف سؤال قابل للانفجار.