منذ عقود من الزمن وأنا أتقاسم العيش الرغيد الديمقراطي مع الأوروبيين، وأنا أسكن بجوارهم وأمشي في شوارعهم وأجلس في مقاهيهم وأتغذى في مطاعمهم وأتبضع في أسواقهم وأقرأ صحفهم وأشاهد تلفزيوناتهم وأحضر مؤتمراتهم.
لم أعش لحظات اندهاش واستغراب كالتي أعيشها هذه الأيام حين أدرك يوميا مدى صدمة الفرنسيين مثلا مما رأوه في كارثة كاترينا الإعصار المدمر الذي ضرب سواحل نيو أورليانز ونتج عنه ما يعرفه العالم من هزات وضحايا وفيضانات وحرائق وهجرات جماعية وانقطاع الأرزاق والأعناق.
ولهذه الدهشة الأوروبية أسباب سياسية وسوسيولوجية ونفسية لابد أن نحللها وندرك جذورها نحن العرب لأنها تنفعنا في تقييمنا لما نسميه الغرب وهو في الحقيقة «أغراب» بالجمع.
وكان لهذا التسونامي الأميركي فضل تأكيده أمام عيوننا. ولابد قبل كل شيء أن نواسي الأمة الأميركية في مصابها هذا وأن نتعاطف مع الضحايا الذين فقدوا في ساعات معدودة كل ما يملكون من أهل وعيال وبيوت ومزارع وطرقات وجسور ومصانع.
الدهشة الأولى للمواطن الأوروبي كانت أمام الوجه الآخر لأميركا، الوجه المجهول، الوجه الخافي على الرأي العام بفعل وسائل الإعلام، أي وجه السبعة والعشرين مليون مواطن أميركي الذين يعيشون تحت خط الفقر(ما يقارب 10%من الأمة الأميركية).
فالذين لم يتمكنوا من الفرار أمام الريح الصرصر هم الفقراء وأغلبهم من الأفرو ـ أميركيين أي السود الذين لا تزال تلاحقهم لعنة البطالة والانحراف والتشرد والبؤس.
وهذه القطيعة بين أميركا الغنية المرفهة وأميركا البائسة تدهش الرأي العام الأوروبي والفرنسي تحديدا بالنظر إلى الجهود العملاقة المبذولة هنا من أجل الإدماج الاجتماعي ومن أجل بلوغ فضيلة المساواة التي يضعها الشعب الفرنسي رمزا في دستوره منذ الثورة الفرنسية عام 1789 إلى اليوم.
وكل الحياة السياسية والفكرية في فرنسا تدور حول مبدأ المساواة. وقد أنشأت الدولة الفرنسية وزارة كاملة اسمها وزارة التلاحم الاجتماعي وعين الرئيس شيراك على رأسها رفيق مسيرته جون لوي بورلو بغاية استكمال جزئيات وظروف المساواة بكل المعاني لتحافظ فرنسا على ما تسميه باعتزاز «نمط المساواة والتضامن الفرنسي» وهو نمط فريد حتى في الاتحاد الأوروبي.
الدهشة الثانية للمواطن الأوروبي جاءت من فداحة المصيبة التي عصفت بولاية أميركية تعتبر قدوة في الصناعة النفطية والتكنولوجية حيث حولت الولايات المتحدة الناهضة والرائدة إلى ما يشبه بنغلاديش أو سريلانكا، أي بلاد عادية من بلدان العالم الثالث لا حول لها ولا قوة أمام قوة عاتية من قوى الطبيعة،
وزاد من هذا الانطباع أن الأغلبية الغالبة من الضحايا هم من السود مما يعزز الاتجاه إلى اعتبار العنصرية ظاهرة لا تزال قائمة في المجتمع الأميركي بعد نصف قرن من قوانين الحقوق المدنية التي ضحى من أجلها الأب مارتن لوثر كنغ بحياته.
وهذا المجتمع الأميركي المقسم إلى بيض مرفهين وسود مظلومين هو الذي أدهش الأوروبيين. ثم إن البنية التحتية التي كانت مصدر اعتزاز الأميركيين تنهار بفعل إعصار واحد ومتوقع،
ويغرق الآلاف من المواطنين في لجج المحيط الهاجم والأنهار التي امتزجت مياهها بالبحر والحرائق التي قطعت إمدادات النفط والغاز.الدهشة الثالثة جاءت نتيجة مشاهد السلب والنهب التي أعقبت الإعصار، فالمواطن الأوروبي تعلم فضيلة التضامن والمواساة والنجدة وتربى على قيمها في المدرسة منذ الحضانة إلى الجامعة، ولم يفهم الرأي العام الأوروبي كيف يتحول مواطن أميركي عادي من دون أية سوابق عدلية وبلا ماض إجرامي إلى ناهب للمحلات التجارية المنكوبة والمنازل المسلوبة والسيارات المقلوبة،
كأنما أصابته لعنة مفاجأة جعلت منه ذلك المتوحش الجديد الذي لم تهذبه النعمة ولم يفده الانتماء إلى جنسية مرغوبة في العالم! وأتذكر أن هذه الظاهرة حصلت وأدهشت الأوروبيين كذلك في ديسمبر عام 1978 حين انقطع التيار الكهربائي على كامل مدينة نيويورك وانقلب مواطنون عاديون إلى ناهبين ولصوص في ساعات الظلام الدامس الذي هبط على أكبر مدينة عملاقة في العالم.
الدهشة الرابعة نتجت عن تعدد جهات القرار في مواجهة الكارثة، فالبلديات وهي أقرب السلطات من المواطن أخلت المكان وهرب أعضاؤها المنتخبون والحرس الفيدرالي لا يعرف أي خارطة ولا أية معلومات عن الميدان المنكوب والحكومة ووسائل الإعلام نصحت بالفرار دون أن تقول للمواطنين كيف وأين يذهبون!
ولم تبالغ صحيفة «كورييه أوروبيان» حين علقت على صدمة الأوروبيين قائلة بأن الأوروبيين يكتشفون أميركا للمرة الثانية بعد الاكتشاف الأول عام 1492 على أيدي كريستوف كولومبوس!
* كاتب تونسي