تتقدم غرفة تجارة وصناعة الكويت إلى الشعب الأميركي الصديق بخالص العزاء وصادق المواساة وتدعو مجتمع الأعمال الكويتي الى التبرع لضحايا ومشردي نكبة «إعصار كاترينا»، انسجاماً مع مواقف الكويت الانسانية المشهودة، وتعبيراً عن عمق الصداقة الكويتية ـ الأميركية وعن مشاعر الوفاء لمن وقف مع الكويت وحقها وحريتها في أحلك الأيام.

ومن جانب آخر، دعا مجلس العلاقات الكويتية ـ الأميركية الشعب الكويتي الى التضامن مع ضحايا الكوارث التي تصيب شعوب العالم، كما دعا مؤسسات المجتمع المدني الكويتي لمؤازرة الشعب الأميركي في محنته تعبيراً عن امتنان شعب الكويت لمواقف نظيره الأميركي إبان محنة الاحتلال العراقي الغاشم.

ويشيد رئيس مجلس الأمة بالإنابة عبدالوهاب الهارون بقرار مجلس الوزراء الكويتي بتخصيص مبالغ مالية ومساعدات لضحايا الإعصار مع التأكيد على ان الشعب الكويتي لا ينسى الدور الكبير الذي قامت به واشنطن في دعم الكويت وشرعيتها. ويقول السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان إن الشعب الأميركي الأكثر سخاء في العطاء الإنساني يعاني الآن من عاصفة مؤلمة.

ويتحدث السفير الأميركي في الكويت في مقال نشرته «السياسة» يوم الاثنين الخامس من سبتمبر الجاري عن تقديره لمساعدة شعب الكويت وعروضه السخية للمساعدة. هذه بعض التعليقات التي حركها القرار الجدي والحاسم لحكومة الكويت في التبرع بنصف مليار دولار مشاركة في تخفيف المعاناة والألم عن الشعب الأميركي.

في حياة الولايات المتحدة ثلاث صدمات أثرت في نفس الشعب الأميركي، صدمة «بيرل هاربر» التي جاءت من تحطيم الأسطول الأميركي في هاواي في ديسمبر 1941 وبحركة مفاجئة من الأسطول الياباني، وبسببها دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، وبدخولها أنهت الحرب بعد ثلاث سنوات بهزيمة اليابان وألمانيا. والصدمة الثانية سببتها العملية الإرهابية في سبتمبر 2001. والثالثة مأساة كاترينا.

وتتحرك الولايات المتحدة دائماً ببطء في الصدمات لكنها دائماً تنتصر، بالعزم والحزم والعملقة والقوة وبالفكر والإبداع. موضوعنا اليوم ليس عن الدمار الذي حل بالولايات المتحدة، فالقدرة الأميركية الهائلة ستتفوق على آثار الدمار، لكننا سنتحدث عن القرار الخليجي الفعال والسريع في دعم الولايات المتحدة، وهنا لابد من إبداء الملاحظات التالية:

أولاً: سعدت جداً بسرعة القرار الخليجي وبحزم هذا القرار وبالإرادة الواعية التي اتخذته كحصيلة إدراك القيادات الخليجية لضخامة المأساة، وأهم من ذلك الشعور الجارف بمواساة الشعب الأميركي ومشاركته في أحزانه والتخفيف عن آلامه بالتفهم والتقدير لحراجة الفترة التي يمر بها.

ولم تأت هذه المشاعر الخليجية الرسمية والشعبية في المشاركة بالأحزان كمفاجأة غير متوقعة، وإنما هي مبادرة من خزان تاريخي يحتضن الصداقة مع الشعب الأميركي، تغوص هذه الصداقة في أعماق الدهر لأكثر من قرن، ومن يقرأ تاريخ الكويت وتاريخ البحرين وسلطنة عمان سيقف على الدوافع الإنسانية التي أتت بالبعثات الأميركية الطبية الى المنطقة، ويبقى المستشفى الأميركي في الكويت الذي بني عام 1911،

ومارست فيه الدكتورة الأميركية اليانور كالفرلي، وأصدرت كتابها المشهور «أيام وليالٍ في جزيرة العرب»، وظلت في الكويت حتى بداية الثلاثينات، وعندما كنت في أميركا في السبعينات حاولت مقابلة بناتها لأنها توفيت في منتصف الستينات، لكنني قرأت الكتاب الذي تسجل فيه أسماء المرضى وتعطي وصفاً مثيراً عن المصابين في معركة الجهراء الذين كانت تعالجهم، وهي أسماء معروفة تتحدث الآن مع أحفاد وأقرباء هذه الأسماء.

كان القرار الخليجي العاجل ترجمة لهذا الخزان الواسع من الترابط والشعور بالزوايا الإنسانية التي اتسمت بها العلاقات بين الشعب الأميركي وأهل الخليج. وليس من السهل تجاهل الوجود الإنساني الأميركي على ضفاف الخليج، في نزعته الخيرة أيام البؤس والمرض والعوز الخليجي، وعلينا عند الإشارة إلى العلاقات مع الشعب الأميركي الاستناد إلى الواقع الإنساني المسجل في حياة دول الخليج.

ثانياً: أشيد بالإرادة السياسية المؤثرة في اتخاذ القرار التي تدرك أحكام المصالح وضوابط المنافع وتضع الأولويات فوق الاعتبارات الأخرى، وأكبر أولويات فنون الحكم الحفاظ على السيادة والاستقلال وحرية شعوب دول مجلس التعاون، ولا مجال للتهاون في هذا المضمار السياسي والأمني.

ونعترف، بلا مساحيق، بأن أمن وسيادة دولة الكويت وغيرها في البحرين وقطر وباقي دول المجلس هي وديعة آمنة في البيت الأبيض، وهي وديعة لها ثمن في الحفاظ على فعاليتها، فالشراكة الأمنية والحياتية لها حقوق وعليها مسؤوليات، وجاءت صدف الحياة بين أهل الخليج والولايات المتحدة بمنطق لقاء المصالح والمنافع.

فالولايات المتحدة تكسب من الحفاظ على الخريطة الاستراتيجية الخليجية وتكسب من ترسيخها والحفاظ عليها، ويكسب أهل الخليج من المسؤولية الأميركية في صيانة خريطتهم وسيادتهم وحريتهم، وأهم من ذلك كله أن واشنطن أتت بالاطمئنان لشعب الخليج وساعدت في خلق بيئة سياسية حياتية ومعيشية مطمئنة،

فلا خوف على الخليج من داخله مهما قيل عن مبالغات حول التوتر والاحتقان والتهديدات.. والتهديدات هي من شركاء في المنطقة وليست من زوايا جغرافية بعيدة. وقد عاش شعب الخليج تجربة الاقتلاع من الحياة مع الغزو العراقي المشؤوم، وأشعر بأننا استوعبنا الدرس الموحش، وعرفنا الحقائق البشعة، وأبرزها ترسيخ شراكة المصالح ضماناً للاستمرار والاطمئنان.

وأشعر بالارتياح بأن حكومات الخليج التي قدمت جميعها تبرعات ومشاركات، كل وفق قدرته وقناعته، قادرة على التحرك بسرعة للتوصل إلى القرار الحاسم، الذي يزيد من متانة اطمئنانها، ومن عمق شراكة المصالح مع واشنطن، وهي حكومات قرار وليست حكومات مجاملات، وهي تغرف من عطائها بحكم إدراكها للمسؤوليات تجاه من ضحى ومن يلتزم ومن يقف مستقبلاً.

ثالثاً: عندما تقترب الأحداث من عروق الحياة في رقاب الشعوب لا يمكن استكثار التضحيات، فلا قياس لأرقام التبرعات مقارنة بالتضحيات التي عشناها منذ بداية القرن الماضي في علاقة الخليج بالولايات المتحدة. في عام 1968، ذهب المرحوم الشيخ صباح السالم في زيارة رسمية إلى واشنطن، لمقابلة الرئيس الأميركي آنذاك ليندون جونسون، كنت ضمن الوفد الكويتي، في تلك الزيارة التي نشرت محاضرها في أرشيف مكتبة الكونغرس،

يطلب المرحوم الشيخ صباح السالم من الرئيس الأميركي العمل على توسيع الدور الأميركي في الخليج بعد قرار بريطانيا بالانسحاب من الخليج نهاية عام 1971. كان الرئيس الأميركي مجروحاً في فيتنام، ويعاني من مرض القلب، ولم يكن في مزاج ليتفهم البعد الاستراتيجي المهم لطلب أمير الكويت.

كان المرحوم الشيخ صباح السالم يتحسس الخطورة من الفراغ الأمني الذي قد يغري العراق البعثي، وإيران الشاه إلى ممارسة الابتزاز، وعندما عاد من دون وعود قاطعة من زيارته إلى واشنطن، ركز على التوافق الخليجي لتأسيس منظومة خليجية لتجاوز التشرذم.

عام 1984 مع تصاعد التهديدات من إفرازات الحرب العراقية ـ الإيرانية، جاءت واشنطن حماية لسفن الكويت وحماية للممرات المائية الدولية وحماية لحرية الملاحة في الخليج، جاءت بدعم دولي وارتياح من مجلس الأمن بعد أن أصدر قراره المشهور 552 وقد قام الشيخ صباح الأحمد ممثلاً لدول مجلس التعاون بالدور البارز في إصدار القرار في يونيو 1984.

لا تسمح مصالح الدول وحريات الشعوب بوجود الميوعة عند اتخاذ القرارات العاجلة، ولا يمكن للقيادة الناضجة ان تسمح بأن يتسبب التردد في استفادة الخصوم ولا تهتم القيادة الواثقة المتناغمة مع شعبها بالوقوف أمام النوادر ممثلة في تعليقات لفظية وتطلعات المنتظرين في طابور المساعدات.

كنت أتحدث مع أحد الوزراء البارزين في دول مجلس التعاون الذي أشاد بسرعة القرار الكويتي وبسخائه معتزاً بأن بلده نالت قصب السبق في القرار الحار والحازم.نحن أهل الخليج يومنا الحاضر أفضل من أمسنا لأننا تفاعلنا مع شركائنا المحاربين معنا من أجل صون الحياة والسيادة والحرية في هذه المنطقة التي يتمنى الجميع قطعة من لحمها.

رئيس مركز الدراسات الدبلوماسية ـ الكويت