إمبراطوريات كبرى انهارت أو تفككت أو تراجعت إلى مصاف الدول المتوسطة أو الثانوية في تقرير السياسة الدولية أو حتى في تقرير شأنها الداخلي بسبب انهيار قيمها الوطنية والقومية أو تفاقم أزماتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وانشغال قياداتها وقواها السياسية والاجتماعية ونخبها بالصراعات الداخلية على حساب التصدي لمعالجة قضاياها ومشاكلها وعلى حساب مصالحها الوطنية العليا.

كلنا عاش مرحلة انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وأسبابه وتداعياته على ميزان القوى الدولي، وارتدادات هذا الزلزال حتى اليوم على أكثر من مستوى وصعيد. واليوم وبعد التحرير الجزئي لقطاع غزة لا يزال الوضع الفلسطيني يعاني من معضلتين كبيرتين. الأولى الاحتلال وسياسته وممارسته ودخوله الى مسام حياتنا اليومية وسيطرته على أوضاعنا لما يقرب من أربعة عقود دافعا الأمور باتجاه خدمة أهدافه القريبة والبعيدة.

والثانية تآكل مؤسساتنا الوطنية، وتراجع دورها كمؤسسات قائدة للمجتمع والسياسة، وانشغال القوى والنخب السياسية والاجتماعية بالقضايا الفئوية أو الجانبية على حساب المسائل الأساسية، وتفشي الكثير من الأمراض الضارة ان لم نقل القاتلة في البنى السياسية كمنظمة وسلطة وقوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني.

لقد تفاقمت مشكلاتنا الداخلية، وبرزت لسطح حياتنا اليومية ولم نعد بحاجة لمن يبذل جهدا كبيرا للبحث عنها لاكتشافها من اجل علاجها، بل إننا نشهد اليوم ما هو اخطر من ذلك وهو خليط من أمرين، اما التكيف التدريجي مع هذه المشكلة أو إدارة الظهر لما يحدث وتحميل مسؤوليته للآخر،

ولم يبق في بنيتنا السياسية والاجتماعية شيئ محصن، أو بعيد عن العبث به أو التطاول عليه، فبالأمس قام القضاة والمحامون بالإضراب والمطالبة باحترام مؤسسة القضاء وما تمثل وبوقف الفلتان الأمني الذي يهدد تفشيه وحدة المجتمع ومؤسساته الوطنية وفي مقدمتها مؤسسة القضاء.

وقبلها قام الخريجون والأطباء والعمال بمظاهرات مطالبين بفرص العمل، كما قامت مجموعة تدعي انتماءها لصقور فتح بمنع سفر قادة وموظفي السلطة الفلسطينية عبر معبر رفح، بكلمة أخرى أخذت السلطة بأيديها وفرضت قانونها الخاص بالقوة وبمعزل عن مبررات مطالبها من عدمها، فان هذا العمل يشرع لكل من يحمل البندقية باللجوء له مما يحول الساحة برمتها إلى شريعة الغاب، ويفقد مجموعات المقاومة مشروعيتها ويفقد سلاحها طهارته.

وبذات القوة قامت مجموعة مجهولة معلومة باغتيال الشيخ علي فرج وشقيقه، وهو احد قادة فتح البارزين في محافظة نابلس وممثلها بلجنة التنسيق الوطني لأسباب ثأرية، ولو كانت هناك سلطة وقضاء وقانون لتم وضع حد لمثل هذه التصرفات التي تهدد حياة البشر ووحدة المجتمع،

وان لم يتوقف الأمر عند هذا، فقبل فترة قام عدد من المسلحين باقتحام اجتماع تنظيمي برام الله، ومنع المجتمعين من متابعة عملهم، وبعدها أطلقت النار على مقر الرئيس محمود عباس وأحرقت عدداً من المطاعم بمدينة رام الله على أيدي مجموعة مسلحة، ونقلت الأنباء بعدها انه جرى إطلاق نار بغزة على منزل رشيد ابو شباك قائد الأمن الوقائي ثم جاءت حادثة اغتيال اللواء موسى عرفات لتزيد الانفلات تفاقماً.

أي ان نتائج الفلتان في الوضع الأمني وضعف السلطة السياسية والمعنوية والتنظيمية طال الجميع، من رأس السلطة إلى المواطن العادي، هذا غيض من فيض الكثير من الأحداث والوقائع التي تقع يوميا في أكثر من مكان. الأمر الذي يهدد وحدتنا الوطنية والاجتماعية ويلحق الضرر بالسلطة السياسية والمعنوية لمؤسساتنا الوطنية ولقوانا السياسية والاجتماعية وفي مقدمتها سلطة القضاء،

ويضعف صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته للاحتلال الإسرائيلي، ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب والذي يعزوه البعض لمجموعات مسلحة غير مسيطر عليها..الخ. فقد شهدنا حالة من الاستقطاب والتوتر بين اكبر فصيلين سياسيين وانتقلت هذه الحالة للمجتمع الفلسطيني بعامة وبقطاع غزة بخاصة، عقب الدورة الثانية لانتخابات المجالس المحلية بسبب الخلاف على نتائج بعض الدوائر الانتخابية، وكانت تهدد الوحدة الوطنية في مجابهة الاحتلال.

ولا أذكر ان هذا الاستقطاب والتوتر وصل إلى هذه الدرجة وبخاصة في القطاع الباسل على قضايا سياسية ووطنية أهم كثيرا من الخلاف على نتائج هذا الصندوق أو ذاك من صناديق الاقتراع في انتخابات محلية. وتم توظيف القضاء في هذا الصراع مما أساء له ولما تبقى من استقلاله وممن من المنادين والداعين لاستقلاله وحيادته وموضوعيته،

فإذا حدثت هذه الدرجة من الاستقطاب والتوتر بسبب الخلاف على نتائج بعض صناديق الاقتراع في المجالس البلدية، فكيف سيكون عليه الوضع عند الاختلاف على بعض نتائج الانتخابات التشريعية، وهو أمر متوقع ويحدث في كل أنحاء العالم، ولمن نحتكم ؟ هل نحتكم للأمم المتحدة بعدما احتكمنا للشقيقة مصر في الخلاف على نتائج بعض صناديق اقتراع المجالس المحلية في غزة؟!

وإذا نظرنا للمؤسسات الوطنية الفلسطينية «اللجنة التنفيذية، والمجلس الوطني المركزي، والمجلس التشريعي ومجلس الوزراء «فإننا نلمس انها تعاني من ضعف وتآكل لدورها القيادي في المجتمع، ومن عدم ثقة المجتمع بقدرتها على حل أعباء المرحلة والنهوض بها وحل المشكلات السياسية والاجتماعية والأمنية التي يعاني منها المواطن وعلى رأس كل هذا المسألة الوطنية المتمثلة بوجود آثار الاحتلال وسياسته وممارساته،

ويصل الأمر أحياناً إلى حدود الطعن بمشروعية استمرار هذه الهيئات بموقعها القيادي ومن بعض القائمين عليها أو المشاركين فيها، فقد مضى على هذه الهيئات سنوات طويلة من دون تجديد، مخالفة بذلك لوائحها الداخلية أو تغيير برامجها وتجديد هيئاتها رغم التطورات السياسية العاصفة على الصعيد الفلسطيني وفي المنطقة.

وفي الوقت الذي تفاقمت فيه الأزمات السياسية والاجتماعية والأمنية في ظل قياداتها وتحت سمعها وبصرها، الأمر الذي بات يفرض إعادة نظر جدية في برامجها وبناها وأداتها معاً. وما أصاب المؤسسات الوطنية والقوى السياسية والاتحاديات الشعبية والمنظمات الأهلية، وان بتفاوت لا يغير من جوهر الأمر كثيرا،

مهما كانت الادعاءات الذاتية لهذا الفريق أو ذاك، فالتجديد البرنامجي والتغيير في الأساليب والبنى القيادية ودمقرطة الحياة الداخلية باتت ضرورة سياسية لهذه القوى، ومطلباً ملحاً لمنتسبيها وأنصارها ان لم نقل للمجتمع ككل، باعتبارها تقدم نفسها كقيادة له، وبالتالي من حقه بل من واجبه ان يقول رأيه فيها وفي سياستها وفي دورها وأدائها.

قد يقول البعض بأن الأزمة وتداعياتها وتجلياتها مسؤول عنها الاحتلال الغاصب والذي اقتحم حياتنا مع الماء والطعام بالقوانين الجائرة وبالحواجز والدبابات والطائرات وأجهزة الاتصالات والتنصت، بشهادات الميلاد وأذونات العمل والسفر، هذا صحيح وهو الوجه الأبرز للحقيقة ولكن الوجه الآخر والمهم للحقيقة هو اننا شعب له تطلعاته ومؤسساته الوطنية الرسمية والشعبية وقواه السياسية والاجتماعية والأهلية،

ومع كل هذا وقبل كل هذا يقود نضالا مشروعا وعادلا ضد استمرار الاحتلال الإسرائيلي من اجل حريته واستقلاله، والتجربة التاريخية دللت ان الحرية والاستقلال لم تقدم يوما على طبق من فضة من العدو المحتل، بل دفعت الشعوب ثمنا باهظا لاستردادهما وهذا ما تحقق نسبياً على أرض غزة،

ودللت التجربة التاريخية بما فيها تجربتنا كذلك ان وحدتنا الوطنية وفعالية مؤسساتنا السياسية والوطنية والشعبية والتنظيمية من مسؤوليتنا نحن وهي العامل الأساس في صمودنا وفي تقصير عمر الاحتلال وتقريب ساعة الانتصار، الحرية والاستقلال. ان التصدي لمهام التحرر الوطني لإنهاء الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال والعودة باتت أكثر من أي وقت مضى مقترنة بالبناء الداخلي السياسي والاجتماعي والاقتصادي المتين،

وهذا مسؤولية جماعية، وعلى الجميع تحمل عبء النهوض بها، وتكبر المسؤولية السياسية والتنظيمية والشخصية أو تصغر ارتباطا بموقع ووزن ودور وفعالية كل طرف أو فريق في التركيبة الاجتماعية والسياسية أو الموقع الذي تحتله. ونقطة البداية اننا بحاجة إلى أسس جديدة ومعايير جديدة ومتجددة تقام عليها علاقتنا الداخلية يؤطرها ميثاق شرف وطني يشارك في صياغته الجميع ويحترم المواطن ويصون كرامته وحقوقه

ويضع معايير موحدة لمواجهة ما يجابهنا من مشاكل ويعلي من سيادة وسلطة القانون ويوحد قوانا في مجابهة مظاهر الخلل وفي مقدمتها الفلتان الأمني والفساد السياسي والإداري والمالي، والى تجديد مؤسساتنا الوطنية التنظيمية الأهلية والحزبية برنامجا وهيئات على أسس ديمقراطية وقوانين انتخاب عصرية،

وإعادة الاعتبار لها ولدورها، وإلى إستراتيجية عمل سياسية وكفاحية واحدة، يعمل الجميع لتحقيقها وينضبط لنواظمها، بهذا ننتصر معا على إمراضنا الداخلية وفئويتنا التنظيمية ونجابه التحديات الخارجية والسياسية موحدين ونتقدم بثبات على طريق الحرية والاستقلال والعودة.

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية