هذا تاريخ لا ينسى أبداً: 11 سبتمبر 2001. أربع سنوات منذ الزلزال الذي غدا المفصل الذي يقسم به التاريخ الكوني: ما قبل 11 سبتمبر وما بعد 11 سبتمبر. لنرى الحصيلة. أصبح الشرق الأوسط مركز الاهتمام في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، أما العنوان فهو جذاب: دمقرطة الشرق الأوسط.

وفي رد فعلها على «الإرهاب» الذي ضربها في عقر دارها، بدت الولايات المتحدة وكأنها استيقظت فجأة لتكتشف أن أمامها مهمة رسالية كونية، تماما مثلما صدمت بالهجوم الياباني على بيرل هاربر عام 1941 فشكل ذلك نهاية لحقبة العزلة في التاريخ الأميركي وبداية العصر الامبراطوري.

تبدو المقارنة بين 11 سبتمبر وهجوم بيرل هاربر منطقية إلى حد لا يمكن الإشاحة عنها. كلا الحدثين يشكلان نقطة تحول في تاريخ الولايات المتحدة وتاريخ العالم. الآثار متشابهة في كلا الحالين، دخول الحرب شكل نقطة البداية لا لتمدد القوة الأميركية خارج الحدود وتكريس الولايات المتحدة قوة عظمى فحسب، بل أسهم في تحديد طبيعة تاريخ العالم لما بعد الحرب. الأمر نفسه يجري الآن منذ 11 سبتمبر مع الفارق. لقد أصبح الدين والثقافة والهوية في قلب حرب مفتوحة متعددة الأوجه.

ففي 1941 وفي 2001 ، هبت الولايات المتحدة وقررت شن الحرب للدفاع عن الديمقراطية أو نشر الديمقراطية. الأمر سيان، فمن التحالف للدفاع عن قيم الديمقراطية مثلما كان الحال قبل 64 عاما ونشر الديمقراطية في الوقت الحاضر، هناك دوما طابع رسالي ومنظومة من المبادئ يتعين خوض الحروب من اجلها.

الحرب على أفغانستان والعراق تم خوضها من اجل نشر الديمقراطية كهدف متمم لهدف اكبر: القضاء على شرور أنظمة مستبدة وتشكل خطرا على شعبها وعلى أمن العالم. هذه الشرور أصبحت مختزلة الآن في عبارة أكثر إيحاء: الحرب على الإرهاب. وعلى الدوام كانت هناك حاجة لدراما كبرى وضحايا، هجوم مباغت في كلا الحالين وضحايا بالآلاف.

لكن اليابان لا تشبه في شيء أفغانستان والعراق والحكم على جدارة المهمة يمكن قياسه بمحصلة الغزو. نهضت اليابان من جديد عملاقا اقتصاديا دوليا فيما المخاض مازال عسيراً في أفغانستان والعراق. بل ان هذا يبدو من باب التهوين، فالاستقرار هش في أفغانستان أما في العراق فإن الوضع يدفع أكثر المحللين حصافة إلى التكهن بأن الاحتراب الأهلي هو اقل التوقعات سوءا.

الخلل لا علاقة له بالديمقراطية التي تبشر بها واشنطن، بل بالغاية القصوى لمهمة نشر الديمقراطية. تفسيرات ومبررات الإدارة الأميركية لا تسعف المهمة. وهي مبررات على درجة من الوضوح بحيث تقدم التفسير لهذا الإجماع النادر بين النخب الحاكمة والمعارضة في البلدان العربية على رفض المساعي الأميركية للإصلاح. فدمقرطة الشرق الأوسط لا تزيد على محاولة لخلق شبكة أمان للأميركيين أنفسهم من الإرهاب.

هذا تفسير بسيط لكنه غير جذاب، فعدا انه يعبر عن انتهازية ودوافع مصلحية مستحكمة، فإن ما يجري داخل الولايات المتحدة نفسها يؤكد أن نشر الديمقراطية ليس سوى مبرر جذاب لأهداف غير جذابة. قد لا تروقكم تفسيرات مايكل مور وهذيانه في «فهرنهايت 9/11» أو تفسيرات المؤامرة الداخلية لتيري ميسان في كتابه «الخديعة المرعبة»، لكن المؤكد أن زلزال 11 سبتمبر أيقظ النزعات المكارثية في الولايات المتحدة ووضع الأميركيين أمام اختبار صعب.

كان يتعين مرور عامين على الأقل، قبل أن تبدأ أصوات الاحتجاج في الظهور. جورج دبليو بوش قال منذ الأيام الأولى «من ليس معنا فهو ضدنا». لكن بقدر ما كانت هذه العبارة موجهة للعالم، فهي كانت تعني الداخل تماما. خرست أصوات الاحتجاج منذ الأيام الأولى ونسيت الصحافة الأميركية تقاليدها في المحاسبة والنقد وألجم القانون الوطني جميع الأميركيين. وكان يتعين انتظار دراما أخرى لكي يستعيد الأميركيون شيئاً مما نسوه تحت وطأة 11 سبتمبر الثقيلة.

جاءت فضيحة أبو غريب لكي تفضح ذهنية المحتل، لكن لكي تظهر المدى الذي انحدرت إليه أميركا. الاستنتاج بسيط: أبو غريب ثمرة ما يسود في واشنطن.طرحت فضيحة أبو غريب ومن قبلها احتجاز السجناء خارج أي قانون في غوانتانامو سؤالاً بسيطاً: هل يمكن لإدارة تشرعن انتهاكات حقوق الإنسان ان تنشر الديمقراطية؟.

نشر الديمقراطية يبدو مثل الأعراض الجانبية للمهمة الأكبر: الحرب على الإرهاب. لكن بعد أربعة أعوام من الحرب على الإرهاب، تصاعد الإرهاب بشكل متسارع وضرب عواصم عديدة، وبدلاً من تنظيم واحد اسمه «القاعدة» أصبحت القاعدة مثل العلامة التجارية الدولية. بات بإمكان أي شخص ساخط لأي سبب في أي مكان من العالم أن يدفع العالم للجنون من هذا الرعب الكامن والمتحفز للانفجار في أي لحظة. جعل الموت والانفجارات أكثر من احتمال عابر، بل هاجساً يومياً ملازماً للحكومات والأفراد على حد سواء.

لكن انسوا هذا كله الديمقراطية لا تستحق هذا العناء، ابحثوا عن سر جاذبية الشرق الأوسط بعيداً عن الديمقراطية وفي أهداف أقل سمواً. كم بلغ سعر برميل النفط هذه الأيام؟. 60 دولاراً؟ هذا مستوى قياسي لأسعار النفط يفسر لنا كيف أن مصاعب المستنقع العراقي تستحق العناء. وسواء بقي العراق على ما هو عليه أم انقسم إلى كانتونات طائفية، فإن الأهم هو أن يبقى العراق موحداً أو مقسماً قادراً على تسديد ثمن فاتورة ديمقراطيته الباهظة: النفط.

كاتب بحريني