مع خروج آخر جندي إسرائيلي من قطاع غزة بعد احتلال دام 38 عاماً، ظلت الفرحة الفلسطينية بالتحرير منقوصة، وظلت الإشكالات مشرعة على المزيد من الصعوبات والمعاناة، وهي تطرح المزيد من التساؤلات لما بعد هذا الانسحاب.

إذ من المعروف تماماً أن الانسحاب على هذه الطريقة التي سوقتها حكومة شارون وهللت لها أوساط غربية، ومن خلف المحيط أيضاً، كشف من البداية أن الإجراء شكلي، وخلفه نيات إسرائيلية مبيتة، توضح حقيقتها ومضمونها التصريحات الإسرائيلية التي تزامنت مع الخطوة الأولى لتفكيك المستوطنات الـ21 من القطاع.

وكان آخرها ما قاله شارون بالأمس: إن مستوطنات الضفة الغربية ستظل جزءاً من «إسرائيل» وسنواصل توسيعها والبناء فيها.. أي إن شارون يقطع الطريق مسبقاً على أية امكانية لاستئناف مفاوضات السلام وبحث القضايا العالقة التي منها إطلاق الأسرى والانسحابات من مدن الضفة، وفق ما جرى التفاهم عليه في شرم الشيخ وما نصت عليه بنود خريطة الطريق. ‏

هذا بالطبع الظاهر والمعلن إسرائيلياً، وهو غيض من فيض التصريحات الإسرائيلية التي تعكس ما يحمله المخطط الاستعماري الصهيوني، وما ترومه حكومة شارون التي لا تزال تكرر نغمة الادعاء أن المفاوضات المستقبلية مع السلطة مرهونة بدرجة مكافحتها «للإرهاب».

أي إن هناك إصراراً إسرائيلياً على افتعال أزمة بين الفلسطينيين والسلطة الوطنية، الهدف منها إشعال حرب أهلية، وإضعاف إمكانات الفلسطينيين على التحرك أمام المحافل الدولية لمتابعة عملية التسوية والمطالبة ببقية الحقوق والأراضي المغتصبة. ‏

ثم إن الإشكالات العالقة لما بعد الانسحاب كثيرة، وتبقي الخطوة الإسرائيلية غير ذات معنى إذا لم تقترن بسيادة فلسطينية حقيقية على المعابر والميناء والمطار والأجواء والمياه وهي كلها غير موجودة، ما يدفع إلى قلق فلسطيني مشروع من أن يتحول القطاع إلى سجن كبير إذا ظل هكذا دون تواصل اقتصادي وإنساني مع الخارج. ‏

من هنا يمكن القول: إن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة يفترض أن يكون الخطوة الأولى باتجاه الانسحاب الكامل والشامل من بقية الأراضي المحتلة، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، ويفترض أن يكون أيضاً حافزاً للمجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة، لتكثيف الجهود وإلزام «إسرائيل» بتنفيذ قرارات مجلس الأمن التي سيبقى تعليقها عاراً في جبين البشرية. ‏

ومن هنا يمكن القول أيضاً: إن الوحدة الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة على المحك، وهي تستوجب يقظة فلسطينية في استثمار اللحظة المتاحة، وتضامناً فلسطينياً يفوت الفرصة على «إسرائيل»، لأن الانسحاب من غزة ليس نهاية الطريق، وإنما بدايته، التي تستدعي رص الصفوف وتوحيد الجهود الوطنية وصولاً إلى حقوق الفلسطينيين المشروعة: الأرض والوطن والدولة. ‏