من الواضح ان عملية تسخين تجري لما يمكن وصفه بالملف السوري ، حيث تبدو دمشق تحت ضغوط سياسية متزايدة تتعلق أساساً بالملفين العراقي واللبناني وشهد يوم أمس تطورات لافتة في هذا الشأن.
وكان لافتاً للانتباه تصريحات عنيفة أدلى بها السفير الأميركي في بغداد زلماي خليل زاد، ضد سوريا، في الوقت الذي قام به القاضي ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية بقضية اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، بزيارة سريعة إلى دمشق تتعلق باستجواب مسؤولين سوريين سبق أن عملوا في لبنان أثناء الوجود العسكري السوري هناك.
والأمر الخطير في تصريحات السفير الأميركي في بغداد انها تنطوي على تهديد واضح بتوجيه ضربة عسكرية الي سوريا حينما قال ان كل الخيارات مطروحة بعد أن نفد صبر الولايات المتحدة ، إزاء ما اعتبره وجود معسكرات تدريب لمقاتلين متطرفين من السنة على الأراضي السورية ويتسللون الى العراق، وبسبب تهديداتهم يتردد سنة العراق في الموافقة على الدستور.
ولا شك ان الاتهامات بإيواء سوريا مقاتلين والسماح لهم بالتسلل الى العراق ليست جديدة، وتتكرر كثيراً سواء من قبل الولايات المتحدة، أو مسؤولين عراقيين، كان آخرها تصريحات أكثر من وزير عراقي خلال الأيام القليلة الماضية بهذا الاتجاه بالتزامن مع عملية اجتياح تلعفر، كما قررت الحكومة العراقية إغلاق الحدود مع سوريا، واللافت ان كل التصريحات السورية التي نفت هذه الاتهامات.
وكذلك الاتصالات العديدة التي جرت بين الجانبين فضلاً عن التعاون الأمني الذي اعترفت به واشنطن، لم تفلح في تبرئة سوريا، الأمر الذي يشير الى فقدان الثقة بين الجانبين، ويزيد المسألة تعقيداً تفاقم الوضع الأمني في العراق، ويبدو ان هذا المأزق يتطلب البحث عن مشجب دون قراءة موضوعية للمشهد العراقي وتعقيداته.
ولا يخفي ان هناك اتهامات وشبهات، من قبل أطراف دولية عديدة لسوريا فيما يتعلق بقضية اغتيال رفيق الحريري، وعزز ذلك مؤخراً اعتقال مسؤولين أمنيين لبنانيين واتهامهم رسمياً بعملية اغتيال، وهؤلاء يصنفون بأنهم محسوبون على دمشق ، ولا شك ان المرحلة الحاسمة في التحقيق الذي يقوم به ميليس وفريقه أصبحت مرتبطة باستجواب العديد من المسؤولين العسكريين السوريين الذين عملوا في لبنان.
لكن لفت الانتباه ان زيارة ميليس الى دمشق أمس أحيطت بالغموض والسرية وكانت سريعة جداً، حيث أعلن عن اتفاق على إجراءات قانونية لاستجواب المشتبه بهم دون أن يدلي ميليس بأي تصريح، كما لم يقابل أي مسؤول سياسي سوري الأمر الذي يفتح الباب أمام تكهنات عديدة.
والخلاصة ان الملف السوري بحاجة الى حكمة لإزالة الالتباسات المحيطة بالقضايا ذات الصلة بعيداً عن التهديدات والمواقف المسبقة، خاصة وان سوريا أكدت مرات عديدة استعدادها للتعاون الجاد والمسؤول بالنسبة للملفين العراقي واللبناني.