كيف يقيم المؤرخون في المستقبل التحول الذي جرى في مصر في سبتمبر 2005 الذي يتمثل في الانتقال من مرحلة المرشح الرئاسي الأوحد إلى مرحلة الترشيح التعددي؟الديمقراطية الليبرالية التعددية دخلت مصر للمرة الأولى في عقد العشرينات من القرن الماضي في أعقاب ثورة 1919 الشعبية ضد الاحتلال البريطاني الذي بدأ عام 1882.
وكان الاحتلال البريطاني الذي انتهى عام 1954 الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الاستعمار الأجنبي في مصر لمدى ثلاثة آلاف عام حتى قيام ثورة يوليو 1952 بزعامة جمال عبدالناصر حيث صار عبدالناصر «إذا استثنينا الفترة المؤقتة لرئاسة اللواء محمد نجيب» أول مصري يحكم مصر.
لكن بقدر ما يقترن اسم عبدالناصر بتحرير مصر من الاستعمار الأجنبي وإعادة بنائها إلى مستوى قوة عظمى إقليمية فإنه يقترن أيضاً بأن عهده قطع مسار العملية الديمقراطية الليبرالية التعددية لصالح نظام أوتقراطي امتد عبر الزمن إلى مرحلة ما بعد عبدالناصر ولنستذكر هنا أن أسلوب الاستفتاء لاختيار رئيس الجمهورية هو ابتداع ناصري أصلاً.
عمر الديمقراطية الليبرالية في مصر كان إذن قصيراً فلم يكن قد بلغ الثلاثين عاماً عندما استولت ثورة يوليو على السلطة. وإذا جاز لنا الآن أن نعتبر سبتمبر 2005 نقطة بداية جديدة لاستئناف المسار الديمقراطي الليبرالي فإننا نجد أن الديمقراطية التعددية في مصر ظلت غائبة لمدى 53 عاماً.
وخلال تلك الفترة ألغيت التنظيمات الجماهيرية الفاعلة بما في ذلك الأحزاب التقليدية ـ وفي مقدمتها حزب «الوفد» ـ التي اعتبرت أدوات سياسية للاقطاع والأحزاب الأيديولوجية ـ تحديداً «الإخوان المسلمين» والتنظيمات الشيوعية. والتنظيمات التي ابتدعتها الدولة لملء الفراغ السياسي ـ من هيئة التحرير والاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي إلى الحزب الوطني ـ فشلت في إثبات وجودها لأنها فرضت على المسرح السياسي بقرارات سلطوية فوقية
وبالتالي تعتمد في بقائها على قيد الحياة السياسية لا على قواعد جماهيرية وإنما على الدولة بكافة أجهزتها الأمنية والإعلامية والاقتصادية. تأسيساً على ذلك يمكن القول أن التحول الذي جرى في سبتمبر 2005 من نظام الاستفتاء الأحادي إلى نظام التعدد التنافسي في عملية اختيار رئيس الجمهورية يمكن أن يعتبر رغم محدوديته إيذاناً باستئناف المسار الديمقراطي الليبرالي بعد أكثر من نصف قرن بقدر ما يستنهض من استعداد حقيقي للتغيير الديمقراطي بين فئات الشعب المصري.
فالتغيير الحقيقي ذو الآثار الإيجابية المستديمة لا ينبع إلا من الشارع بعد أن تتحرر أجيال من الإرث الأوتقراطي. وهذه عملية لا تكتمل بين يوم وليلة. خلال العهد الأوتقراطي نشأت أجيال ترسخ لديها أن السلطة الحاكمة مؤسسة مقدسة ومرعبة ليس من حق الجماهير التعرض لها فضلاً عن اختيار طاقمها. وبقدر ما تستطيع هذه الأجيال ان تتحرر من هذا الإرث بقدر ما تتطلع إلى نيل حرية التعبير والتجمع السلمي. ومن المبكر إذن أن نقول بصورة جازمة وقاطعة ان سبتمبر 2005 يمثل نقطة تحول فارقة.