حين يتحرك التاريخ، والتاريخ قد يتسارع وقد يتباطأ ولكنه لا يتوقف عن الحراك أبداً، يتحرك بفعل قادته وصناعه من مبدعين ومفكرين وعلماء وفلاسفة ومعرفيين. لكن تأثير هؤلاء لا يجد صداه إلا حين يكون نشاطهم مرتبطاً بواحدة أو أكثر من العمليات المجتمعية الرئيسية: العملية الاجتماعية ـ الثقافية أو العملية السياسية أو العملية الاقتصادية أو العملية الإعلامية ـ المعلوماتية.

وعلى الرغم من تواجد هذه العمليات في كل مجتمع إنساني وتواصل نشاطاتها عبر كافة العصور التاريخية، إلا أنها تبلورت وقامت بقيادة حركة المجتمع والسيطرة عليه تباعاً. ولقد كانت العملية الاجتماعية ـ الثقافية أول تلك العمليات جميعاً، حيث تبلورت في صورتها البدائية على شكل عادات وتقاليد وأعراف ومسلكيات وعلاقات اجتماعية ترسخت تدريجيا في حياة الناس وقامت بالسيطرة على حركة المجتمع القبلي عامة، ولآلاف السنين من حياة المجتمع الزراعي الذي تبعه.

وحين تبلورت الديانات المختلفة في أواخر عصر الزراعة أصبحت القيم والمعتقدات الدينية جوهر الثقافة وأهم العوامل المنظمة للحياة والعلاقات الاجتماعية بوجه عام.في أواسط عصر الزراعة ظهرت الدولة أو العملية السياسية، وذلك بسبب حاجة المجتمعات الزراعية لسلطة فوقية تنظم العلاقات بين التجمعات الزراعية المتجاورة وتشرف على توزيع الأراضي ومصادر المياه، وتقوم في ذات الوقت بتوفير الأمن للناس وحمايتهم من غزوات القبائل.

ولقد كان لتلك العملية، وحتى دخول أوروبا عصر الصناعة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، اليد العليا في تصريف أمور المجتمع، حيث قامت بالسيطرة على حياة المجتمعات الزراعية وحياة المجتمعات الصناعية التي تبعتها فيما بعد ولفترة طويلة.

وكما ساهم الدين في ترسيخ وتعزيز دور العملية الاجتماعية ـ الثقافية في حياة وحركة المجتمع الزراعي القديم، ساهمت الفكرة القومية والفلسفة الاقتصادية ـ التجارية والليبرالية السياسية في ترسيخ وتعزيز دور الدولة والعملية السياسية في حياة وحركة المجتمع الصناعي، وذلك حتى منتصف القرن الماضي.

مع بدايات عصر النهضة الأوروبية واتساع نطاق التجارة الداخلية والخارجية، أخذت العملية الاقتصادية في التبلور التدريجي والقيام بدور متزايد في إدارة الأمور الاقتصادية وتوجيه حركة المجتمع الأوروبي. وبعد حدوث الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وانتشار الاستعمار وقيام الدول الاستعمارية بنهب ثروات الشعوب الفقيرة والسيطرة عليها تصاعد دور العملية الاقتصادية.

وبسبب الاستثمار المكثف لرأس المال في مختلف الصناعات وقيام النشاطات الاقتصادية المرتبطة بها بتوظيف الملايين من العمال تزايدت أهمية العملية الاقتصادية وتنوعت أدوارها المجتمعية. وهذا أدى بدوره إلى زيادة دور وأهمية رجال المال والأعمال في المجتمع وذلك على حساب دور وأهمية رجال السياسة. ولقد استمر نفوذ العملية الاقتصادية في التصاعد حتى أواخر القرن الماضي حين أخذ دور العملية الإعلامية ـ المعلوماتية يتنامى بسرعة من حيث الحجم والنفوذ والاتساع.

ورغم جذورها العميقة في التاريخ، فإن العملية الإعلامية المعلوماتية لم تتبلور كعملية مجتمعية رئيسية إلا بعد حدوث ثورتي الاتصالات والمعلومات في النصف الثاني من القرن العشرين. وتعتبر هذه العملية اليوم أكثر العمليات المجتمعية نفوذا وقدرة على التأثير في حياة وثقافات وتوجهات ومستقبل مختلف الأفراد والشعوب.

اتجهت كل عملية مجتمعية إلى التعاون أولاً مع العملية المجتمعية السابقة لها، ومن ثم اتجهت إلى السيطرة عليها ومد نفوذها إلى تجمعات سكانية ومجتمعات أخرى مجاورة. فالعملية السياسية ولدت في حوالي منتصف عصر الزراعة في رحم العملية الاجتماعية ـ الثقافية وقامت أولاً بالتحالف معها، ثم قامت بالسيطرة عليها وتسخيرها لخدمة أهدافها السياسية والطبقية الخاصة.

وبينما انحصر نفوذ ودور العملية الاجتماعية ـ الثقافية ضمن تجمعات إنسانية صغيرة كالمجتمع القبلي والزراعي المحلي، امتد نفوذ العملية السياسية إلى الكثير من التجمعات وأحيانا المناطق الجغرافية المجاورة والبعيدة. وحين أخذت العملية الاقتصادية في التبلور أثناء عصر النهضة الأوروبية وجدت انه كان عليها أن تتحالف مع العملية السياسية من اجل كسب معركتها مع الكنيسة الكاثوليكية وتوسعة مجال نشاطاتها الاستعمارية.

ولقد دام التحالف بين العمليتين السياسة والاقتصادية حتى منتصف القرن الماضي حين أصبحت العملية الاقتصادية الأكثر أهمية وقدرة على التأثير في حياة الناس وتوجهات المجتمع الصناعي وسياسته الخارجية. وبينما انحصر نفوذ العملية السياسية ضمن نطاق الأراضي والشعوب التي سيطرت عليها الدولة أو الإمبراطورية إلى حد بعيد، امتد نفوذ العملية الاقتصادية ليشمل الحياة الاقتصادية وبعض أوجه الحياة السياسية والاجتماعية لمعظم شعوب الأرض.

أما العملية الإعلامية ـ المعلوماتية الآخذة في التبلور اليوم فإن نفوذها ومجالات تأثيرها تشمل كافة أوجه الحياة لكافة شعوب الأرض في كافة بقاع العالم.إن استحواذ كل عملية مجتمعية على الدور الأكبر والمكانة الأكثر أهمية في حياة المجتمع جعلها تستقطب أفضل العقول وأكثر المواهب للعمل في خدمتها.

فالعملية الاجتماعية ـ الثقافية سخرت أفضل العقول للعمل في خدمة الدين والمؤسسة الدينية، خاصة الكنيسة الكاثوليكية، بينما سخرت العملية السياسية أفضل العقول والمواهب لخدمتها في قيادة الجيوش وإدارة شؤون البلاد وجمع الضرائب من المواطنين. أما العملية الاقتصادية فقد جذبت أفضل العقول والمواهب وسخرتهم في تطوير التكنولوجيا الصناعية وإدارة رؤوس الأموال والمشاريع الاستثمارية والنشاطات المالية والتجارية.

واليوم تستقطب العملية الإعلامية ـ المعلوماتية أفضل العقول والمواهب في تطوير تكنولوجيا الاتصالات وصناعة المعلومات وتنمية المعرفة بكافة أشكالها، وإعادة تشكيل الثقافات وطرق التفكير وأنماط الحياة والإنتاج ونظم الحكم بالنسبة لكل المجتمعات والدول.

وهذا يعني أن تطوير قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام وتشجيع الموهوبين وذوي القدرات الخلاقة على الدخول إلى عالم المعرفة المرتبط بتلك النشاطات لابد وان يخطى بالأهمية والأولوية في كل مجتمع يسعى لتحقيق التقدم ويطمح أن يكون له دور مساهم في توجيه حركة التاريخ الحديث.

من الواضح أن صناع التاريخ كان عليهم أن ينشطوا من خلال العمليات المجتمعية المختلفة كي يؤثروا في حركته ويقوموا بتوجيه مسيرته. فرجل الدين مثلا لم يكن بإمكانه التأثير في محيطه دون وجود عقيدة لديه ودون توفر بيئة اجتماعية مستعدة لقبول رسالته، والقائد السياسي ما كان بإمكانه التأثير في الشعب وقيادته دون وجود مؤسسات سياسية قادرة على تأطير القوى الشعبية وتوجيهها حسب رغبات ورؤية القائد.

كذلك لم يكن بإمكان رجل الأعمال أن ينشط ويستثمر الأموال ويكدس الثروات دون وجود مؤسسة اقتصادية تحتضنه وتفتح المجال له كي ينشط من خلالها. وتبدو وسائل ومؤسسات الإعلام ومراكز البحوث والدراسات والجامعات اليوم المكان الأقدر على احتضان الكفاءات العلمية والفنية والتكنولوجية والقيادات الفتية الواعدة وتوفير احتياجاتها المالية وغير المالية لتنمية مواهبها وتحقيق أهدافها الشخصية والمجتمعية.

اليوم، وبعد تزايد كل النشاطات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والمعلوماتية من ناحية، ومشاركة الملايين في إدارة كل من تلك النشاطات من ناحية ثانية، لم يعد بإمكان أي شخص أو أية مؤسسة أو حتى أية دولة القيام وحدها قيادة أي من العمليات المجتمعية في أي مجال من المجالات والتأثير في محيطها بالقدر الكافي لتوجيه حركة التاريخ كما كان عليه الحال في الماضي القريب.

وهذا يعني انه لم يعد بإمكان أي مفكر أو عالم أو فيلسوف أو مبدع أن ينشط وأن يغدو معروفا ومؤثرا في محيطه إذا تعذر عليه وجود المؤسسة الراعية والراغبة في استضافته وتوفير البيئة المناسبة لنشاطه وإبداعه. وهكذا لم يعد صنع التاريخ من اختصاص الأفراد مهما عظمت مواهبهم، بل أصبحت العمليات المجتمعية هي التي تقود عملية صنع التاريخ وتوجيه حركته وتحديد اتجاهاته.

professorrabie@yahoo.com

أكاديمي أميركي من أصل عربي