لم تكن العرقية غائبة عن الفكر والثقافة الغربيين ولكنها لم تبرز كنظرية الا في القرن التاسع عشر حيث أصبحت منظورا مهيمنا في ثقافة الغرب، فظاهرة التطرف والتعصب والنظرة الدونية إلى الآخر سمة تبرز وتزداد سطوتها في ثقافة الغرب كلما شعر بقوته وتفوقه المادي الساحق في مواجهة الآخر.
أصبحت العرقية أحد منظورات الفكر الغربي واتخذت من الجسد والعرق مقياسا للأحكام القيمية، التي تطلق على أنواع الجنس البشري، فهناك فرق بين الإنسان والحيوان أساسه العقل ولكن هناك أيضا فروق بين الإنسانية لا تقل عن الفوارق بين الإنسان والحيوان، فمفهوم الإنسان مفهوم سوسيولوجي ولا يوجد إنسان في المطلق،
فهناك آري وهناك سامي وهناك أعراق قابلة للكمال وأخرى دون ذلك ولكن العرق الآري هو الأقوى والحضارة يصنعها ويفرضها الأقوياء، ففرض الاختلاط بالقوة ميزة يتمتع بها الغرب من اجل القضاء على الانعزال والتخندق خلف هويات متخلفة تعوق الحضارة الإنسانية.بينما تقوم العرقية الثقافية بتأويل ثقافات الآخرين بلغة وثقافة الغرب ولا ترى فيهم أمما بل خليط من الإثنيات والملل تسود بينها عوامل الفرقة وليس عوامل التكامل،
ولا يصلح لدراستهم سوى علم الاناسة وليس علم الاجتماع المقصور على المجتمعات الغربية.هذه التراتبية المعيارية في القرن التاسع عشر والشبيهة بما يعرف بالمعايير المزدوجة في القرن العشرين، هي التي تجعل «ارنست رينان» يعتقد بصلاحية الزنوج للعمل في الأرض فقط والصينيين للحرف الأخرى وانفراد الجنس الآري بوظيفة السيادة والحرب، بينما يؤسس «نيتشه» لهذه التراتبية على أساس اجتماعي وأخلاقي على طريقته الخاصة. فهناك العبيد، وهناك السادة،
وأخلاق العبيد تتعارض مع قوانين الطبيعة لأنها أخلاق العجز والخوف والشر والشفقة بينما أخلاق السادة تتمشى مع قوانين الطبيعة التي تمثل إرادة الحياة والقدرة على ممارستها والطموح نحو الأفضل.لعل ازدهار النيتشوية والدارونية وازدياد سطوتهما في عصر العولمة يبدو الاحتمال الأقرب إلى التحقق، فقوانين السوق المعولمة لا تدير بالا للطبقات الضعيفة القدرة،
كما أنها تعتبر البطالة مشكلة لا حل لها، ويجب التعايش معها مثلها مثل التفاوت الطبقي، فقانون التنافس والصراع وكمية القوة هي التي تقرر الاستمرارية والتفوق بينما محاولة حل تلك المشاكل، هو مجرد إضاعة للوقت في البحث عن حلول فاشلة تتعارض مع قوانين التطور والإبداع، فالروح التي تدفع في اتجاه هذه الحلول الخائبة، هي اقرب إلى أخلاقيات العبيد منها إلى أخلاقيات السادة التي تزكيها إرادة القوة والحياة والسعي و السمو نحو الكمال.
ان ثنائية السادة والعبيد وقانون البقاء للأصلح كلها تعبر عن النموذج الاقتصادي، الذي كان احد أعمدة نهضة الحضارة الغربية. كما أنها تعبر عن هذه الروح الهجومية التي تهدف دائما إلى وضع الآخر أمام خيار الإبادة أو خيار فرض الإرادة والاستتباع، ولذا فإن ما يمكن خشيته في عصر العولمة هو ان يكون عصر انتصار أخلاق السادة بالمفهوم النيتشوي فيصبح أهل الجنوب هم أصحاب أخلاق العبيد العاجزين والذين يكرهون المركز ويرون فيه الشر بعينه،
ولكنهم أمام عجزهم يكبتون مشاعرهم ويتحايلون على ذلك بقلب مسميات الأشياء فيسمون التبعية الاقتصادية اعتمادا متبادلا والاستسلام سلاما والتبعية الثقافية حوارا ومنطق القوة التي يفرضها المركز شرعية دولية.ان الدولة التي يعقد فيها ارنست رينان لواء السيادة للعرق الأوروبي في القرن التاسع عشر، هي دولة عالمية ولكن مواطنيها غير متساوين في الحقوق بسبب التراتبية الناتجة بينهم في الجدارة بهذه الحقوق.
فالحياة التي قد تجعل العمال الأوروبيين يتمردون قد تسعد صينيا أو فلاحا أو كائنات أخرى غير محاربة، ولذا فليفعل كل واحد ما وجد لأجله لكي يسير كل شيء على وجه حسن ومثلما كات رينان يرفض خروج أي عرق في دولته العالمية عن وظيفته التي أوكلتها له الطبيعة أو تطلعه إلى ما هوليس جديرا به لكي لا تدب الفوضي، فإن صامويل هنتنجتون في القرن الواحد والعشرين يبدي قلقه حيال تزايد النمو الاقتصادي لدى الكنفوشيسيون الصفر في آسيا
لأنه يزيد من ثقتهم بأنفسهم ويمزق السياسة العالمية ويزيد من حدة الصراع ويقوي من قدرتهم على ان يسودوا.فهاجس السيادة العالمية الغربية سواء في شكل دولة عالمية تنشر رداءها على العالم أو في شكل إمبراطوريات تتقاسم البشر والأرض والأشياء، ظل هو الفكرة المهيمنة التي تقود توجهات الثقافة الغربية بكل منظوراتها من الشمولية إلى العرقية إلى القومية، فكل هذه المسارات تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي المركزية الغربية وعولمة ثقافتها وإقصاء كل ما عداها.
كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي