من يتأمل الحوار الذي يبدو مجرد حوار يفضي إلى مزيد من الحوار حول الإصلاح يجد أنه يبالغ في الاتجاه للخارج، تفنيدا وتحذيرا، ويتمركز حول السجال الثنائي بين الحكومات والإسلاميين رغم أن الإصلاح تعرقله عراقيل أخرى إلى جانب أطماع الخارج وتصلب الحكومات وتشدد بعض الإسلاميين.

ونعني بذلك ملفا يمكن اعتباره من ملفات الإصلاح المسكوت عنها عربيا وهو ملف التشدد القومي ومسؤوليته عن تعثر جهود الإصلاح، فبعد عقود من الإلحاح على أن التشدد الإسلامي هو أهم أسباب تعثر التحول الديمقراطي عربيا، وهي فزاعة استخدمتها الأنظمة داخليا وخارجيا لسنوات، إذا بنا نجد أنفسنا فجأة أمام تشدد قومي يتخفى وراء خطاب مراوغ يعد أكثر مما يعطي.

والمتغير الأكبر الذي انطوت عليه التجربة السياسية الجارية في العراق أن الولايات المتحدة تأخذ على محمل الجد فكرة أن الإسلاميين شركاء محتملون في اللعبة الديمقراطية ما يعنى أن فزاعة الإسلاميين فقدت جزئيا قدرتها على التأثير خارجيا. ومما يلفت الانتباه أن المسكوت عنه سياسيا هو بالقدر نفسه مسكوت عنه معرفيا،

فقبل العمل المعرفي الرائع «الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ» للمفكر الإسلامي المعروف الدكتور عبد الوهاب المسيري لا نكاد نجد ـ على الأقل في الثقافة المصرية ـ خمسة كتب عن الفاشية بل ربما لم يكتب عنها أحد شيئا يستحق الذكر بعد ما كتبه العقاد، ورغم أن كتاب المسيري منصب بالأساس على التشابه في البنية والأفكار بين الصهيونية والنازية والتعاون الفعلي بينهما، إلا أنه يقدم صورة للفكر القومي المتشدد عموما، وهي صورة يكاد القارئ يرى في مرآتها فصولا مأساوية من التاريخ العربي المعاصر!!.

لقد كان المشهد السياسي المصري عشية دخول النازيين مصر قبل أن يتوقفوا ويهزموا في العلمين جديرا بالتأمل، فالعقاد ـ الذي كان يرمز بالفعل للمثقف الذي يدرك مسؤولياته الإنسانية والأخلاقية ـ يهرب إلى السودان خوفا من أن يقبض عليه النازيون ويعدموه بسبب كتاباته عن النازية بينما «الشعبويون» المصريون يهتفون في المظاهرات «إلى الأمام يا روميل».

ولقد لعب عامل مهم دورا كبيرا في دفع الكثير من المثقفين العرب للتعاطف اللاعقلاني مع الفاشية وهو وعد بلفور والدعم البريطاني ثم الأميركي للكيان الصهيوني فكانت شرائح واسعة من المثقفين العرب ينطلقون في موقفهم من المقولة الساذجة «عدو عدوي صديقي»، مع أنه ليس بالضرورة كذلك، وكانت هذه المشاعر مضاعفة في الدول الواقعة تحت الاحتلال البريطاني.

وقد لعبت هذه الخلفيات دورا في نشوء حالة من التسامح مع التشدد القومي، ومع ظهور فكرة المؤتمر القومي الإسلامي اكتسب الفكر القومي نوعا من المشروعية الدينية كان في حاجة إليها ثم تطورت العلاقة إلى تبني شرائح من الإسلاميين مقولات قومية مع صياغتها بتعبيرات إسلامية حتى انمحت الخطوط الفاصلة بين القومية كشعور بالتضامن والقومية كأيديولوجيا مغلقة غير قادرة على قبول التعددية بأية درجة،

وبناء على مقولاتها وعلى مذبحها سفكت دماء كثيرة وأصبح دعاتها أكثر التيارات السياسية العربية إيغالا في معاداة التعددية.وعندما تطرح قضية الإصلاح فمن الضروري مناقشة مشكلة التشدد القومي بوصفه عقبة حقيقية أمام المستقبل العربي كله، ولعل تجربة البعث العراقي تكون عبرة في هذا الإطار إذا كان هناك من هو مستعد للتدبر؟!

كاتب مصري