ليس ثمة مبالغة في الاستنتاج بأن الهجوم الارهابي على الولايات المتحدة ( 11 سبتمبر 2001) أحدث تغيرا كبيرا في وعي الأميركيين لذاتهم وللعالم، وبالتالي في الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، على الصعيدين الدولي والشرق أوسطي. وعلى أية حال فإن حدث سبتمبر لم يكن عادياً أو محلياً، فهو حدث تاريخي ودولي بامتياز، لأسباب عدة أهمها:

أولاً، أن الهجوم الإرهابي حدث هذه المرة في الولايات المتحدة، ذاتها، مستهدفاً تقويض هيبتها والحطّ من جبروتها.

ثانياً، أن هذا الهجوم تركّز على مبنيي «التجارة العالمي» في نيويورك و«البنتاغون» في واشنطن، وهي رموز الولايات المتحدة التي تعنى بمسارات العولمة، أو بالأحرى «أمركة» العالم.

ثالثاً، أن منفّذي الهجوم ينتمون إلى بقعة جغرافية معينة (العالم العربي)، وإلى دين بعينه (الإسلام)، ولكنهم لايمثلون دولة بعينها؛ رابعاً، أن الوسيلة المستخدمة في هذا الهجوم ليست وسيلة عادية أو سلاح تقليدي، يمكن تشخيصه.

طبعا لايمكن احالة التغير الحاصل في السياسة الأميركية إلى هذا الحدث بذاته، رغم أهميته التاريخية بالنسبة للأميركيين، فثمة أسباب أخرى ساعدت أو سهلت هذا التغيير، ضمنها: ترسخ مكانة الولايات المتحدة كقطب أوحد على الصعيد الدولي، تنامي النزعة الأمبراطورية لدى الولايات المتحدة للهيمنة الأمنية والسياسية والاقتصادية على العالم، وصياغته بحسب توجهاتها وأولوياتها،

بدفع من مسارات العولمة التي تسيطر عليها، وجود إدارة جديدة في البيت الأبيض محاطة بمجموعة أيديولوجية (المحافظين الجدد) الذين كانوا يهيئون المناخ للتدخلات الأميركية في العالم، ولو بوسائل القوة ووفق مبدأ الحرب الوقائية. هكذا استحضر «زلزال» سبتمبر 2001، دفعة واحدة، النظريات الاستعلائية والإمبريالية، التي كانت حبيسة المكاتب وأذهان المحافظين المتشددين الموالين لإسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية،

من مثل نظريات: «قوس الأزمات» لبريجنسكي التي يدعو فيها إلى السيطرة على العالم الإسلامي بالنظر لموقعه الجغراسي والاستراتيجي ولاحتوائه على أكبر مخزون من النفط والغاز في العالم؛ ونظرية برنارد لويس التي يدعو فيها بصراحة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس جديدة، بحيث تحتل فيه إسرائيل مكانة متميزة وتتمكن فيه الولايات المتحدة من ترسيخ سيطرتها؛ وفكرة هنتنغتون عن «صراع الحضارات»،

والتي حذر فيها الغرب، قبل عقد من الزمن، من خطر العالم الإسلامي ومن مخاطر تقرّبه مع الحضارات الأخرى (الشرقية)؛ وكلها نظريات تؤكد بأن الغرب والشرق لا يلتقيان وأن العدو الجديد للغرب، بعد انهيار الشيوعية، بات يتمثل بخطر الأصولية الإسلامية، وهكذا تم تقسيم العالم إلى أخيار وأشرار أو إلى دول خيرة ودول مارقة!

المهم أن هذا الحدث بتداعياته، التي لم تنته بعد، ولّد انعكاسات خطيرة على تفاعلات السياسة والاقتصاد والثقافة على الصعيد العالمي، لا تقل في أهميتها عن الانعكاسات التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفييتي، في مطلع التسعينات، والتي غيّرت مستقبل العالم وأعادت صوغ خارطته الجغراسية.

والثابت أن الولايات المتحدة، وعلى خلفية تداعيات حدث 11 سبتمبر، باتت أكثر تحرّراً في انتهاج سياسة القوة والعسكرة ومبدأ «الحرب الوقائية»، لحل الخلافات الدولية، بدعوى الحرب ضد الإرهاب. وباتت أكثر تطلّباً إزاء الدول الكبرى وإزاء المنظمات الدولية، في سعيها لتكريس هيمنتها كقطب أوحد على العالم.

كما باتت أكثر تدخّلاً في سياسات الدول الأخرى (النامية)، لصوغها بحسب الأولويات والمصالح والرؤى الأميركية، بدعوى التغيير والإصلاح ونشر الديمقراطية. وفوق كل ما تقدم فثمة من يعتقد بأن الولايات المتحدة باتت تخوض حربا عالمية رابعة (الثالثة كانت الحرب الباردة)،

بمختلف الوسائل (الساخنة والباردة) بدعوى «صراع الحضارات» أو بدعوى الصراع ضد الإرهاب، المدعم بأيديولوجية الإسلام السياسي المتطرف، ونشر الليبرالية الاقتصادية والديمقراطية السياسية، ما يضع العالم العربي خصوصا والإسلامي عموما أمام تحديات وربما مخاطر جدية.

أما تأثير هذا الحدث على العالم العربي وعلى العلاقات الأميركية العربية فقد كان كبيرا وعميقا وخطيرا، أكثر بكثير من تأثيراته على مناطق أخرى من العالم ليس بسبب هوية منفذي هجوم سبتمبر، فقط، وإنما بسبب الخلفية السياسية والثقافية للمجتمع الأميركي، التي تسهّل تقبّل تنامي نزعة العداء للعالم العربي والإسلامي، وأيضا، بسبب الإيحاء بالترابط بين هذا الهجوم الإرهابي والصراع العربي ـ الإسرائيلي.

الآن، وبعد مرور أربعة أعوام على حدث سبتمبر، يمكن وببساطة الاستنتاج بأن هذا الحدث، بتداعياته، كان بمثابة هدية لا تقدر بثمن لإسرائيل وحلفائها في واشنطن، إذ تمكّن هؤلاء إعادة الاعتبار لفكرتهم بأن إسرائيل «ذخر استراتيجي» للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأنها الحليف الموثوق والدائم لها في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم؛ في استغلال لحقيقة أن علاقة أميركا المتميزة بكل من السعودية ومصر لم تحل دون نمو مظاهر العداء لها، في هذين البلدين،

فكيف إذا كان المتّهمون بتنفيذ هجوم سبتمبر يتحدّرون من هذين البلدين؟! وكان حلفاء إسرائيل، في الولايات المتحدة، سارعوا إلى استغلال هذا الهجوم لترويج ادّعاءات سياسية مفادها، مثلا، أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تواجهان عدوا واحدا، هو الإرهاب الذي ينبع من المنظومة الحضارية الإسلامية، وأن مصدر العداء العربي لإسرائيل لا يتأتّى من الاحتلال وإنما من انتمائها للغرب ومن تبنيها لطريقته في العيش التي تتأسّس على الديمقراطية والرفاهية والتكنولوجيا!

وأن الدفاع عن إسرائيل وعن مصالحها إنما هو دفاع عن الولايات المتحدة.وبالنتيجة فقد استطاع هؤلاء، استغلال الأجواء الهستيرية للحرب ضد الإرهاب، لتغيير الأجندة الأميركية وإدخال تحولات مهمة على الخطاب السياسي الأميركي إزاء القضية الفلسطينية، ومجمل القضايا العربية.

ومن مظاهر هذا التغيير، في الأجندة السياسية، أولا، تجاوز التعاطي مع القضية الفلسطينية بوصفها قضية احتلال، لصالح التركيز على «تأهيل» الشعب الفلسطيني ثقافيا واقتصاديا و«تأهيل» سلطته من النواحي السياسية والإدارية والتشريعية! ثانيا، اللامبالاة إزاء استحقاقات صداقة أميركا مع بعض البلدان العربية،

لدرجة وصل معها الأمر حد إبداء إيحاءات عدائية تجاه هذه البلدان (كما جرى مع مصر والسعودية)، والمطالبة بتغييرات سياسية وثقافية في هذه البلدان، تطال الحكومات والمجتمعات معا؛ ثالثا، لاشك أن احتلال العراق كان من أهم التداعيات الناجمة عن هذا التغير في السياسة الاميركية، الذي انتقل بانتقال الولايات المتحدة، في فرض سياساتها،

من وسائل الضغط الدبلوماسي والاغراء الاقتصادي إلى وسائل التغيير بالقوة وبالوسائل العسكرية؛ رابعا، التوجه نحو فرض التسوية على الفلسطينيين والعرب (وضمن ذلك التطبيع) ليس عبر المفاوضات وإنما عبر فرض الامر الواقع والضغط السياسي (نموذج الانسحاب من غزة مثلا).

بالنتيجة فلقد شكل هجوم سبتمبر تحولا كبيرا في العالم، في سياساته وعلاقاته وفي حروبه وخطاباته، والنتيجة التي وصلت إليها أميركا أنها تستطيع أن تبني عالما أحاديا على شاكلتها وتحت هيمنتها، إن ليس بضغط الاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا، فبالقوة. ولاشك بأن العالم بعد 11 سبتمبر/2001، هو غير العالم الذي كان قبل وبالطبع فإن ذلك ينطبق بشكل أو بآخر على العالم العربي، ألسنا جزءا من هذا العالم؟!

كاتب فلسطيني