الخبر الذي تناقلته أمس وسائل الإعلام بأن البنتاغون يدرس إمكانية استخدام السلاح النووي في ضربات استباقية، يدعو إلى التوقف عنده وبكثير من فتح العيون ورفع الجفون. إذا لم نقل بكثير من التخوف والقلق، لا سيما وأن الكشف عن مثل هذا التوجه تزامن مع الذكرى الرابعة للحادي عشر من سبتمبر.
ذلك أن هناك تسليماً ضمنياً، استقر من زمان في الوعي العام، بأن هذا السلاح ممنوع ومحظور، ليس فقط اللجؤ إليه؛ بل أيضاً طرحه أو حتى التلميح لطرحه كخيار محتمل في أي مواجهة، أو تحت أي ظروف. الاتفاقيات الدولية حظرت انتشاره وامتلاكه. ثم طبيعته كسلاح دمار شامل تفرض الابتعاد عنه: إما لأن الآخر يمتلكه وإما لأن استخدامه يفتح الباب لتسويغه في النزاعات والحروب.
يقول الخبر إن هناك «وثيقة» مطروحة، منذ مارس الماضي، في البنتاغون حول احتمالات توظيف السلاح النووي ميدانياً، وإن الأمر ما زال قيد البحث والدرس. الخطير في الموضوع أن هذا الخيار تم وضعه على الطاولة. وهذا بحد ذاته تطور يدعو إلى التوجس؛ إن لم يكن إلى الخوف المشروع. لكن الأخطر أنه ـ أي الخيار ـ متداول لاستعماله بضربات «وقائية»! يعني ليس كآخر وسيلة.
بل أن يُبادر إلى الاستعانة به «لإحباط» خطط معادية. وليس فقط ضد دول وجيوش بل أيضاً ضد جماعات «غير حكومية»؛ بذريعة منعها أخذ زمام المبادرة في أي سلاح دمار. وربما، تقول الوثيقة، ينبغي اللجوء إلى النووي لتحقيق «نصر سريع» على قوات تقليدية ضخمة.
ويزيد من ثقل هذا الكابوس أن البنتاغون طلب من القيادة العسكرية الأميركية الإعداد لبرامج محددة لاستخدام هذا السلاح في مناطق وجودها في العالم، ضد عدو استخدم هذا السلاح ـ وهذا مفهوم ـ كما سيستخدم ضد «من يفكر(!) في استخدامه ضد القوات الأميركية أو الحليفة». إذا كان ذلك صحيحاً وجدياً فالأمر مرعب: سلاح نووي ضد من يفكر فقط به؟
كيف يقاس هذا التفكير وعلى أي أساس ومن يقرر بشأنه. الغريب أن واشنطن تتحدث عن هذا السلاح اللحظة نفسها التي تزعم فيها قيادة الحملة لمنع انتشاره. صحيح ان الخيار هذا لا يزال قيد الدرس وأن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد لم يعط موافقته وتوقيعه على الوثيقة.
وربما أراد البنتاغون من الكشف عن هذا الموضوع وفي الحادي عشر من سبتمبر بالذات لاستخدامه كوسيلة ردع مسبق ولحمل أية جهة دولية أو إرهابية على عدم الذهاب في خططها إلى حد استخدام أسلحة الدمار ضد أميركا أو مصالحها. لكن مجرد فتح هذا الملف ولو من باب التهويل، ينطوي على مخاطر خروجه عن حدود السيطرة عليه.
فقد يعطي الذريعة والمسوغ لطرف أو أطراف لا صفة رسمية أو حكومية لها، كي تضاعف جهودها وسعيها لامتلاك هذا السلاح.النووي كانت، ومازالت، أهميته في عدم استخدامه، فهو سلاح رادع. إذا انتقل من الترسانة إلى الميدان تبددت أهميته لأنه يؤدي إلى الفناء، وحتى البحث في إمكانية استخدامه يفقده دوره، فذلك يفتح باباً ينبغي تحريم فتحه وإلا فلت الملف وانفتح باب الجحيم.