نموذج «الظاهرة الرئاسية» يتشابه في كثير من بلدان الوطن العربي حتى في أدق التفاصيل. والهدف الأعلى المشترك بين كافة الحالات هو أن صعود «الرئيس» إلى السلطة عند المرة الأولى هو في الحقيقة تدشين له للبقاء حاكماً مدى الحياة.عناصر الوصفة باتت محفوظة عن ظهر قلب: ينشئ الرئيس حزباً «حاكماً» من شذاذ الآفاق والانتهازيين من كل صنف.

يتحول أعضاء الحزب الحاكم إلى برلمان يرشح «الرئيس» لولاية ثانية.تجرى عملية استفتاء شعبي «لانتخاب» الرئيس المرشح.عند اقتراب نهاية الولاية الثانية يعلن الرئيس أنه زاهد في ولاية ثالثة، وعلى الفور يجتمع الحزب الحاكم وبرلمانه لاتخاذ قرار مفاده «مناشدة الرئيس باسم الجماهير» قبول الترشيح للولاية الثالثة كاستجابة للرغبة الشعبية. أخيراً «يتنازل» الرئيس ليلبي الرغبة الشعبية.

عند قرب موعد الولاية الرابعة تختلف أساليب الرؤساء، فهناك من يرجع إلى أسلوب «المناشدة».. وهناك من يرشح نفسه من دون مناشدة.. وهناك من يختزل القصة فيوعز إلى حزبه الحاكم بترشيحه رئيساً مدى الحياة. وفي كل الأحوال فإن النتيجة النهائية لا تتغير: تجديد تنصيب الرئيس لولاية خامسة أو سادسة أو سابعة.. الخ. إلى أن يرحل عن الدنيا. وهكذا يبقى الرئيس في كل الحالات لمدى الحياة، إما بضربة واحدة حاسمة أو بالتقسيط المريح.

حتى على الصعيد السلطوي لا تختلف نماذج الظاهرة الرئاسية عن بعضها البعض. ففي كل الحالات تنحصر رسالة السلطة الرئاسية في مهمتين رئيسيتين: خصخصة الاقتصاد الوطني لصالح شركات أجنبية ذات واجهة محلية من ناحية والقمع المنظم للمعارضة الراديكالية من ناحية أخرى، وهكذا بقدر ما يتراجع الاقتصاد صوب حافة الإفلاس فيتصاعد الغلاء وتتسع دائرة الندرة السلعية والخدماتية بقدر ما يشتد الزحام في السجون والمعتقلات وتزدهر مهنة «الأمن».

هناك بالطبع أجندة مساعدة، فسياسة الخصخصة هي في حقيقة الأمر انعكاس للخط الرئيس للسياسة الخارجية، وبما أن المستفيد الأول من برامج الخصخصة يتمثل في رأس المال الأميركي والإسرائيلي، فإن من مهام الرئيس تسخير السياسة الخارجية لتكون في خدمة مصالح الثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة.ومن بين الأجندة المساعدة أيضاً سلاح الإعلام، فالخصخصة والقمع المنظم والارتهان إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.. كل هذا يتطلب انتهاج سياسة إعلامية داخلية قوامها التبرير التضليلي.

وعلى طول الخط لا يكف الرئيس عن حديث «الديمقراطية» و«التنمية» على خلفية قانون طوارئ مستديم.والسؤال الذي يطرح هو: إلى متى تستمر الظاهرة؟هذا سؤال موجه إلى الشعوب.. فإن هي أرادت الحياة «فلابد أن يستجيب القدر»، كما قال الشاعر التونسي الراحل أبو القاسم الشابي. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.