عشية الانتخابات الرئاسية المصرية التي جرت الأربعاء الماضي، وفاز بها الرئيس حسني مبارك، أجرت إحدى القنوات الفضائية العربية، مقابلات سريعة مع عدد من المواطنين المصريين، وسألتهم عن توقعاتهم للمرشح الذي سيفوز بالانتخابات، لكن الكثيرين رفضوا الإجابة قائلين: «إيه السؤال ده.. لن أرد.. معرفش»، وغيرها من الإجابات التي تذكرنا بردود عادل إمام في مسرحية «شاهد ما شفش حاجه» عندما كان القاضي يطلب منه أن يقول رأيه، فيرد: «الحقيقة أنا مابتكلمش في السياسة.. دا انا غلبان».

لاشك أن ذلك يدخل ضمن نطاق السلبية السياسية التي أصابت المواطن المصري، منذ عقود عدة، نتيجة عدم وضعه في الاعتبار من قبل الحكومات المتعاقبة، التي لجأت إلى مصادرة حقه في التعبير، وأممت حريته في الاختيار، وفرضت ستاراً من ثقافة الخوف عليه، بحيث عجز حتى عن البوح بما يريده ويرغبه ويتمناه سياسيا، حتى لا يقترب من قائمة الممنوعات التي تصورها وضخمها أكثر مما هي عليه في الواقع، مؤثراً الابتعاد عن المتاعب «ووجع الرأس».

هذا الشعب ظل طوال كل هذه السنوات «شاهد ما شفش حاجه» على التحولات التي فرضت نفسها على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل والثقافي المصري، الأمر الذي أصاب الحياة السياسية بتصلب في الشرايين، وجعل اللاعب الأساسي القادر على التغيير والتطوير وهو الشعب غير مستشار في قضايا واقعه.

لكن بلا شك كانت تجربة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وبرغم الكثير من التحفظات التي يأخذها البعض عليها، نقطة تحول حقيقية بين زمنين مختلفين تماما.. الأول زمن القبول بالأمر الواقع والخضوع لما تريده الحكومات.. والثاني زمن القدرة على رفض النماذج المعلبة وحرية الاختيار والتعبير عن الرأي بكل شجاعة ومن دون كبت أو ضغط أو أكراه.

ليس هذا فقط، بل إن هذه الانتخابات وما قبلها من أحداث مثل نزول المصريين إلى الشوارع متظاهرين ومطالبين بالتغيير والإصلاح ورافعين شعارات «كفاية»، تعد خطوة كبيرة على طريق كسر سياج «ثقافة الخوف» التي قوضت تحركات المجتمع وقواه السياسية والاجتماعية.

إذن نحن أمام مرحلة جديدة، تختلف كثيراً عما مضى، والمطلوب الآن أن يتخطى المصريون كل هواجس ثقافة الخوف، ويستفيدوا من المناخ الانفتاحي الجديد، ويطالبوا بالبناء على ما تحقق من انجازات، ويصروا على ألا يعودوا إلى الخلف مهما كانت التحديات. وهذا الأمر يتطلب بلا شك التمسك بضرورة تطبيق البرنامج الانتخابي للمرشح الذي فاز، وتنفيذ الوعود التي قطعها على نفسه، لاسيما في ملف الحريات والانفتاح السياسي والتعديلات الدستورية التي تسمح حقا بمشاركة وحراك سياسي حقيقي في المجتمع.

إن المجتمع أمام اختبار حقيقي وخطير للغاية، وهو الاستحقاق الرئاسي المقبل، الذي سيكون صعباً للغاية، لأنه لن يستثني الشروط التي تضمنها تعديل المادة 76، والتي سمحت بان يتنافس في الانتخابات الرئاسية هذه الدورة 10 مرشحين، لكن وهذا هو الأخطر، فان الشروط التي اقرها التعديل الدستوري، لن يكن من السهل توفرها لعدد كبير من المرشحين في الدورة المقبلة،

وهو أمر يعود بالمجتمع إلى الوراء، لان المواطن المصري سيجد نفسه مجدداً أمام نماذج معدودة قد لا تتجاوز شخصين أحدهما معروف من الآن. وهذا الأمر يتطلب من الآن الدعوة إلى إجراء تعديلات دستورية حقيقية تسمح بفتح المجال، لاسيما أمام المستقلين، للتنافس على المنصب الرئاسي، بما يجعل الحراك السياسي عملية متواصلة ومستمرة، ولا يعود الشعب مجدداً إلى حالة «شاهد ما شفش حاجة».