أربع سنوات على فاجعة 11 سبتمبر، تغير العالم خلالها، كما لم يتغير قرناً، وكان نصيب المنطقة من هذه التغييرات هو الأوفى، حراك سياسي متصاعد في المنطقة، في لبنان قامت ثورة شعبية أطاحت بحكومة وحررت لبنان من وجود استمر طويلاً، وكان من تداعياتها مجيء لجنة تحقيق دولية في جريمة مقتل الشهيد الحريري أدت إلى توقيف الجنرالات الكبار الأربعة.
وفي مصر ينزل رئيس الجمهورية في انتخابات رئاسية تعددية طالباً من الجماهير المصرية إعادة انتخابه، باذلاً وعوداً وعهوداً بالتنمية والإصلاح، ويسمح للمرة الأولى بخروج مظاهرة تطالب بسقوطه دون قمع.خلال السنوات الأربع، سقط أبشع نظام قمعي جثم على صدر العراقيين طويلاً، عانى العراقيون كما لم يعان أي شعب آخر، وخرج 5,8 ملايين عراقي في يوم كان شره مستطيراً، واختار برلمانه متحدياً الإرهاب الأسود، ثم وضع دستوراً بإرادته الحرة.
وتلاشى كابوس طالبان وانزاح عن قلوب الأفغان، وخرجت الأفغانية ـ فرحة من محبسها إلى مدرستها ومعملها وعملها وعادت الطيور لتغرّد من جديد، صارت لأفغانستان حكومة ورئيس منتخب وهم بصدد انتخابات جديدة.دُكّت معاقل طالبان وتهاوت أوكار «القاعدة» وفرّ زعيم طالبان وضيفه إلى الكهوف والشعاب لا حول لهما ولا قوة.
وفي السعودية مناخ ثقافي اجتماعي جديد، أتاح حواراً وطنياً صحياً أصبح فيه للمهمشين صوت وحضور وهناك حركة لإعادة النظر في المناهج والخطاب الديني نحو الانفتاح والتسامح وقبول الآخر، والمرأة الكويتية حصلت في أربع سنوات ما لم تحصل عليه خلال 30 سنة نالت حقها السياسي وأصبحت وزيرة تجلس مع من كان يرى وجودها في المجلس والبرلمان سبّة وعاراً، كما سبقتها إلى الوزارة والمناصب القيادية أختها القطرية والبحرينية والإماراتية والعُمانية وأن بقيت السعودية رهينة محبسها.
في الساحة الخليجية، حركة نشطة لإعادة النظر في المناهج والخطاب الديني بعد مرارات الحصاد الإرهابي، ويعقد القادة الخليجيون قمة للإرهاب والمناهج وينشغل الخليج بعلاقة التعليم بالإرهاب، ويتصدر ملف الإرهاب الندوات والمؤتمرات ليصبح هماً عالمياً يجتمع من أجله قادة العالم في نيويورك.
تغيرت أوضاع كثيرة بعد 11/9 كتداعيات لها ما كان يمكن أن يحصل بهذه السرعة، فلولا سبتمبر وشيطان «القاعدة» الذي أوحى بغزو أميركا وضربها في رموز شموخها وكبريائها وتحرك «المارد الأميركي» من قمقمه، ليزلزل الأرض العربية مغيراً سياسته التي استمر عليها دهراً من «الحفاظ» على الوضع إلى التدخل «التغيير» الوضع. ما كان ليتغير شيء في دنيا العرب لولا ذلك التدخل!!.
نعم: أمور كثيرة تغيرت عند العرب، ولكن شيئاً واحداً استعصى على التغيير!! «نظرة» العرب المستريبة للآخر الخارجي و«عقليتهم» الخرافية. ما زال قطاع كبير وعلى مستوى النخب والجماهير، يؤمن إيماناً راسخاً بأن 11/9 «مؤامرة» صهيونية أو أميركية للكيد للإسلام،
وفي أعقاب سبتمبر وقف خطيب ـ شهرته الوسطية والاعتدال ـ فدافع عن القاعدة وبرّأ زعيمها بحجة أنه بايع زعيم طالبان على السمع والطاعة وعدم الإساءة إلى الدول الأخرى، وأنه ليس عنده من الوسائل ما يعينه على تنفيذ هذا العمل ثم أكّد «أن أميركا تعلم علم اليقين ذلك لكنها تحشد للقضاء على المسلمين بدافع صليبي حاقد»، تُرى من أين لهذا الخطيب هذا اليقين؟! ولماذا تضرب أميركا أفقر دولة؟!
ولم يستطع مرور «4» سنوات ولا تكاثر الأدلة الموثقة ولا الاعترافات المتوالية من زحزحة قناعة هؤلاء ببراءة المسلمين ومسؤولية اليهود واليمين الأميركي.تلك العقلية الخرافية أنسجت على تعليل كل الجرائم الإرهابية إلى يومنا هذا، فرئيس جمعية الإصلاح الكويتي يتهم مؤخراً اليهود في تفجيرات لندن، والمرشد العام للإخوان في مصر يتهم الموساد وأميركا في تفجيرات شرم الشيخ وكثير من رموز الجماعات الدينية ينفون وجود «الزرقاوي»
إذ يرونه شخصية وهمية اخترعها الأميركان لتشويه سمعة المجاهدين وزريعة لاستمرار الاحتلال، ولا يريدون أن يصدقوا (بن لادن) حين اعترف عبر «الجزيرة» بأنه كلف محمد عطا بالمهمة لكنهم يصدقون الكاتب الفرنسي الذي قال بأن أميركا خربت نفسها بنفسها وباع لهم «الخديعة الكبرى» وضحك عليهم إذ استضافوه وكرموه وأغدقوا عليه الأموال وطبعوا كتابه وروجوه ثم توارى لكن كتابه لا يزال يتصدر الأكشاك والمكتبات العربية في كل مكان.
ينسبون 11 سبتمبر إلى اليمين الأميركي، وهو لا يغضب الأميركيين فحسب ـ كما يقول جمال خاشقجي ـ بل ـ أيضا يغضب (بن لادن) إذ يجرده من شرف المباهاة بالغزوة المباركة ويظهر اتباعه جماعة البكري في لندن ـ الذين احتفلوا (بالعظماء الـ 19) بمظهر الكذبة والمغفلين!
ما زالت الأرض العربية تحيا وتقتات على مخزون هائل من الخرافات والأوهام والشعارات الزائفة، ويضيف إليه الدجالون المزيد من التخريف والزيف كل يوم والأرض العربية قد ضاقت بالمخزون المتخلف وها هي تقذف ما في جوفها من مواريث وقمعية وتعصبية في مظاهر العنف والإرهاب التي تعاني منها مجتمعاتنا والعالم أجمع.
كثيرون لا يزالون يصدقون أحد الدعاة الذي زعم أنه اكتشف علاج فيروس ـ سارس ـ كما صدقوه من قبل في علاج الإيدز بحبة البركة.وتنتعش كتب السحر والعين والحسد والشعوذة والمس الشيطاني، والعفاريت التي تخصصت في ركوب المسلمين!! وتروج إعلانات من يزعمون العلاج الروحاني.
وما أكثر المؤمنين بقدرات الأولياء وبركة الأضرحة وقراءة الطالع ـ أحد المرشحين للرئاسة في مصر وعد بقراءة الطالع مجاناً إذا فاز ـ وتموت الكتب الجادة النافعة الدافعة للتعقل والتفكير والتحليل في مهدها!! انتعشت العقلية الخرافية هذه الأيام بمناسبة (كاترينا) إذ فرح المخلفون من المتشددين بمصاب أميركا وشمتوا وتبادلوا التهاني وظنوه عقوبة إلهية لفعلتها بالمسلمين واستنكروا المساعدات الخليجية المؤازرة للشعب الأميركي،
وذلك ليس خلقاً إسلامياً، وليس من الإسلام في شيء، ورسولنا صلى الله عليه وسلم لم يتردد لحظة إلى نجدة قريش ـ عدوته الكبرى ـ حين علم أنه أصابتهم (جائحة) فأرسل إليهم مؤونة ضخمة.وهو نوع من الجحود والنكران لجميل أميركا، فالخليج مدين لها (3) مرات: تحرير الكويت، وتخليص الخليج من جار السوء، وحماية الخليج من المطامع الإقليمية حاضراً ومستقبلاً.
لماذا يعاقب الله الفقراء السود فيرسل عليهم (إعصاراً) ويكافئ سادة واشنطن فينعم عليهم بريح طيبة!! وهو القائل عز وجل (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم، ما ترك عليها من دابة) الذين ضربتهم أميركا ودمرت أوكارهم هم من أجرموا من المسلمين وكذلك تفعل دولنا الخليجية في أتباعهم الذين يفسدون ويرهبون في ديارنا وتتوالى قوائم تصفيتهم (ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) فهل نلوم أميركا أم نلوم أنفسنا لأننا لم نحسن تربية هؤلاء البغاة.
كاتب قطري