مع اغتيال اللواء موسى عرفات القدوة ليلة الأربعاء الماضي، وقبلها محاولة اغتيال الوزير السابق وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني نبيل عمرو، التي جاءت بدورها متوالية مع سلسلة من عمليات الاعتداء والقتل التي استهدفت صحافيين وأعضاء من المجلس الاشتراعي (إبراهيم أبو النجا)، وحتى كادت أن تستهدف عضواً مستجداً من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وأعني الأخ غسان الشكعة، فاستشهد شقيقه بدلاً عنه.

وغسان الشكعة عضو مستجد وليس من الأعضاء المزمنين، من الأيقونات الدائمة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، يكون الكيل قد طفح عند البعض من المجموعات والزمر الصغيرة، التي بات عدد من متنفذيها يصولون ويجولون في شؤون العباد والناس دون رقيب أو حسيب، يعتاشون على المصائب والكوارث بغض النظر عن مصدرها ان كان خارجياً أم داخلياً.

فقد قسمت عملية اغتيال اللواء موسى عرفات، القشة الهشة للحالة الأمنية الرخوة داخل البيت الفلسطيني، وأظهرت مدى استفحال العداء لإمكانية النهوض بعمل مؤسساتي داخل الساحة الفلسطينية، وذلك بفعل تحريض البعض القليل ـ ونقول البعض ـ ممن يمسكون بناصية الأمور في «مفاصل قيادية أو أمنية أو عسكرية أو سياسية»،

كما حدث ويحدث في العديد من بلدان العالم الثالث المنكوبة بسياسيين وأصحاب أسرار، وجنرالات، وضباط أمن، وبعصابات منظمة تعمل وتنشط في وضح النهار، وتمارس فجورها تحت أمرة «محاكم تفتيش الفوهرر قراقوش» التي تحاكم، وتقاضي، وتأمر، وتعطي التعليمات على شكل إيماءات وإيحاءات للرعاع المنفلت بإطلاق الموت.

وتمارسها عند عدد من الفصائل الفلسطينية العقلية المشبعة بروح الستالينية من بعض متنفذي مراكز القوى التي أدماها وأعماها «الفجع السلطوي»، وفق عقلية أمير ميكافيلي «الغاية تبرر الوسيلة»، والغاية صب الجميع كالمعدن المصهور أو «البولمير الكيماوي» وفق ارادة المتنفذين الستالينيين عند عدد من متنفذي الفصائل الفلسطينية التي تتحمل مسؤولية أساسية في الانحدار الموجع بالحالة الفلسطينية خلال الماضي القريب.

من هنا فإن المسألة أبعد من اغتيال اللواء موسى عرفات، بل تصب في صميم الوضع الفلسطيني، حيث تتحمل حركة فتح ومن موقع مسؤوليتها التاريخية دوراً رئيسياً في إنهاء هذا التردي في الحالة الفلسطينية. ان الشعب الفلسطيني بقاعدته العريضة لا يملك من ثروة سوى فطرته الكفاحية المتوالدة مع أجياله، ومشروعية نضاله وإرثه الديمقراطي الذي لم تصنعه له أو تأتي به أحزاب الساحة،

والكرة الحديدية الثقيلة الهابطة على رأسه تحتاج بالضرورة إلى قيادات وقوى استثنائية حضوراً وعملاً وسمواً وارتفاعاً في قاماتها بعيداً عن الكيد التناحري الذي استنزف حركة المقاومة جزءاً هائلاً من المخزون الحقيقي والفعلي لها، وقذف بخيرة كوادرها خارج إطار العمل المباشر. وحركة فتح ليست مسؤولة كل المسؤولية عن التجاوزات والخلل في الحالة الفلسطينية على كل مستوياتها الوطنية والأخلاقية، لكنها بالمقابل مسؤولة عن انهائها.

وعليه، يمكن القول، بأن إنهاء فوضى السلاح باتت مسألة على غاية من الأهمية، ولا تتناقض أيضاً مع مسألة وجود سلاح المقاومة بيد أبناء المقاومة، طالما أن مساعي التوصل إلى عملية «الضبط والترشيد والتوجيه» قائمة منذ العام الأول للانتفاضة، لجعل العمل المقاوم متناغماً في خدمة البرنامج السياسي التوافقي الفلسطيني.

وإبقاء هذا الخيار قائماً في مواجهة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بمراكزها الثابتة ودورياتها المتنقلة وحواجزها وأفرادها، والمؤسسة الأمنية بأفرادها ودورياتها ومقراتها وعملائها، والمؤسسة الاستيطانية ومنشأتها وسكانها.فالعمل المقاوم يبقى وسيلة وليس غاية يجري التغني بها وتقديسها،

أو طريقاً لكسب قطاعات من الشارع الفلسطيني المتألمة من جرائم الاحتلال والمنادية باستمرار العمل المسلح دون أن إسناد هذا الكفاح بـ «أفق سياسي» في ساحة إقليمية ودولية معقدة تلقى بتأثيراتها على الوضع في فلسطين وعموم الشرق الأوسط. ان قراراً بضبط حالة الفلتان النسبية في ظل فوضى السلاح العارمة خصوصاً في قطاع غزة،

يشكل حاجة ملحة لمنع نمو ظاهرة العصابات الأخطبوطية التي ترتدي ثياب المقاومة في الوقت الذي تمارس فيه أنماطاً من المسلكيات المرفوضة من قبل الجميع. كما هو حاجة ملحة أيضاً لحماية سلاح المقاومة نفسه، وحماية الذات الفلسطينية، والكوادر التي تجري ملاحقتها ومحاولات تصفيتها على يد أجهزة أمن الاحتلال ومجموعات متواضعة الحضور من المندسين والعملاء.

كاتب فلسطيني ـ دمشق