«ما يدين به الغرب إلى العراق» نشر المستشار القانوني لقوات الاحتلال في العراق كتاباً بهذا العنوان وهو في هذا منشغل بما يجب ان يقدمه الغرب إلى العراق تعويضا عن.. عن ماذا؟ لابد ان القائمة طويلة، ربما يقال ان الغرب أعطى العراق «الحرية». انها الحرية التي يتكلم عنها روبرت سابولسكي. يقول سابولسكي انه عندما أنجز بحثه الميداني عن الجهاز العصبي لقردة البابون في كينيا قرر ان يقوم بزيارة دول شرق افريقيا.
وعندما وصل الى حدود السودان، قدم جواز سفره إلى الشرطي الوحيد في مركز الحدود، وكان سابولسكي يكبت الرغبة الملحة في قضاء حاجته وهو يتلوى من الألم، وما ان ختم الشرطي السوداني جواز سفره سأله أين يستطيع ان يقضي حاجته. فأجابه الشرطي بكل برود انه يستطيع ان يقضي حاجته في أي مكان يشاء، انت في بلد يتمتع بالحرية، وبالتالي فأنت حر في قضاء حاجتك في أي مكان يناسبك».
ومن سوء حظ سابولسكي، عالم الأعصاب الأميركي بشعره الكث وملابسه المتجعدة بسبب السفر بالسيارة، ان الدنيا كانت في عتمة ما قبل الفجر، فخرج من مركز الحدود مسرعاً وجلس يقضي حاجته في أقرب مكان. وفيما هو يفعل ذلك كانت الشمس تبزغ تدريجياً. وعندما تلفت حواليه كان نصف سكان القرية يحيطون بهذا الأجنبي الأشعث يقضي حاجته في وسط الطريق. وهو الفعل الذي يقول عنه المكسيكيون: فعل «الكرامبا» في وسط الطريق.
نعم، لقد أعطى الغرب العراقيين حرية فعل الكرامبا في وسط الطريق، بكل معاني الكلمة. لقد دمّر الغرب بلدهم، بالتعاون الكامل مع نظام حكم البعث، على مدار خمسة عشر عاماً، في أبشع وأقسى نظام عقوبات شهده العالم. وهذه ليست سابقة للغرب. فقد دمر الإسبان والبرتغاليون وبحارتهم الأوروبيون المرتزقة، بكل بربرية ثلاث حضارات: الأزتك في المكسيك، والمايا في اليوكاتان وغواتيمالا، والإنكا في البيرو، في أربعة عشر عاماً بي «1519 و1533».
وقبل ذلك هيأ الغرب لنظام حكم البعث الوحشي أن يشن حرباً ظالمة على جارته إيران على مدى ثماني سنوات »1980 ـ 1988«. وبعد تحرير العراق من حكم البعث، أدخل الغرب المعارضة المستوردة ونصّبها في الحكم، وموّل حملاتها الانتخابية عندما قدم قادتها أنفسهم بيادق تتحكم بها قوات الاحتلال، من مجلس الحكم الانتقالي الألعوبة، إلى الانتخابات القبلية ـ الطائفية.
فعل الكرامبا تجلى في تصارع قوى المعارضة على مقاعد المجلس وعلى مناصب الحكومة المؤقتة، ومن ثم الجمعية الوطنية المحددة مدتها سبعة أشهر، وهي لا تكفي إلا لإجهاض أي تجربة دستورية. وما أشبه مفاوضات تشكيل الحكومة المؤقتة ولجنة كتابة الدستور بوليمة الضباع ـ ضباع تتناهش جسد العراق ونسيجه الاجتماعي المثقل بالجراح. ولا يضير قادة العراق أنهم ينفذون أجندة قوى الاحتلال ومواعيد لا مرجعية لها إلا القوى الأجنبية.
فرنسا والبحث عن المغفرة
هل تذكرون فرنسا دوفيلبان، وشاعرية دفاعه عن الشرعية الدولية، كون الغزو الأميركي للعراق لا يتمتع بالشرعية القانونية. هل تتصورون أن بإمكانكم أن تراهنوا على فرنسا أو ألمانيا كمحور يحفظ التوازن للشرعية الدولية. إذا أردتم هذه المراهنة فأنتم تراهنون على نظامين مفلسين أيديولوجيا: شرودر واشتراكيته الديمقراطية شريك توني بلير ورجعية الطريق الثالث.
وشيراك في علاقاته المشبوهة مع الحكام العرب وغير العرب. ولشيراك وريث محتمل هو نيقولا سركوزي، الأكثر منه رجعية والأكثر ولاءً للامبراطورية ومجمعها العسكري ـ الصناعي. وإذا سمحتم لي أن أقص عليكم قصة أخرى من الذاكرة، فموقف شرودر وشيراك يذكرني بقصة موت موظف صغير لانطون تشيخوف.
ومن منكم لا يعرف القصة القصيرة جداً، أقول إن تشيخوف يحكي لنا عن موظف صغير ادخر من مرتبه القليل مبلغاً يكفي للحصول على مكان في الصفوف الأولى في المسرح لحضور مسرحية «أو أوبرا لا أذكر». وفعلاً حصل على مقعد في الصفوف الأمامية، ولكن من سوء حظ هذا الموظف المسكين أن جنرالاً كبيراً ـ رئيسه في العمل احتل المقعد الذي أمامه مباشرة.
وفجأة عطس هذا الموظف الصغير عطسة عظيمة نثرت اللعاب والمخاط على عنق الجنرال وملابسه. وعندما التفت الجنرال نحوه وهو يتميز غضباً ـ كاد الموظف المسكين أن يموت في مقعده. ومضت الأيام والأسابيع وهذا الموظف المسكين يحاول أن يعتذر للجنرال بالكتابة وتوسيط الوسطاء، وبالزيارات المتكررة دون جدوى. وما هي إلا فترة قصيرة مضت حتى يعثروا على هذا الموظف الصغير جثة هامدة في فراشه ـ لقد مات كمداً.
أما تذكركم هذه القصة بما تفعله فرنسا في لبنان ـ ومحاولاتها اليائسة للاعتذار، تعويضاً عن ما فعلته في مجلس الأمن ـ في حالة العراق. ويعلم شيراك جيداً أن بإمكان الولايات المتحدة أن تساهم بإسقاطه في الانتخابات المقبلة، تبدخلها المباشر وغير المباشر، بما تملك من رصيد أطلسي في أوروبا، ورصيد بين بقية المحافظين والرجعيين، حتى في داخل حزب شيراك نفسه، خصوصاً وأن خليفة شيراك لا يقل ولاء للامبراطورية من توني بلير.
المشرق العربي الكبير بلا خارطة
لقد اكتملت معالم المشرق العربي الكبير كمنطقة حضارية، ولكن مكانه في خارطة غرب آسيا كمجال استراتيجي ـ حيوي لم ترسم بعد من قبل قواه الذاتية. فقد تحرر العراق بالسماح لنخبته الحاكمة لفعل الكرامبا في وسط الطريق. وتحرر لبنان بصَدَقة فرنسية طلباً للمغفرة من أميركا.
ومافيا فتح في فلسطين تعتقد أنها بالتهدئة «اقرأ بالاستسلام الكامل» سوف تخرج الأسرى، وتحرر الاقتصاد «اقرأ اقتسام غنائم المساعدات»، وتحقق الاستقلال لدولة فلسطينية «اقرأ غيتو» في الضفة الغربية والقطاع. وستقام حفلات الانتخابات المفرغة من أي سلطة أو تداول سلطة في جميع الدول العربية الحليفة للغرب، ولكن ليس للمشرف العربي الكبير، بالرغم من كل هذه «الزيطة والزمبليطة» نظام أمن إقليمي، ولا مصالح قومية عليا متفق عليها.
فإذا كان للغرب مصالحه «الشرعية» في منطقتنا، ومنها نشر الديمقراطية المزعومة، فكيف يدّعي حلفاؤه العرب ان مصالحهم ومصالحنا القومية قد اتفقت وهي غير متفق عليها بين العرب أنفسهم. انني اعتقد ان العرب يقرأون التاريخ بضعف نظر شديد، فهم يقبلون وجهة النظر الأيديولوجية السطحية من ان الديمقراطية على النمط الغربي هي الطريق لبناء مجتمع رأسمالي معولم مبني على أسس مستقرة.
وهم بهذا يتأثرون أو يقلدون الغربيين في تزوير التاريخ. فلم يسد الغرب العالم بالديمقراطية والعلمانية كما يدعي هانتنغتون ومن يتبعه، ولم يستقر نموذج الدولة القطرية ـ القومية إلا في الخمسين سنة الأخيرة بفضل إجماع النخبة التي اتفقت على قواعد اللعبة، بغض النظر عن مدى عدالة هذه اللعبة، وهذا سر قوة الغرب السياسية المرحلية.
وقوة الغرب السياسية جاءت مصحوبة بازدهار اقتصادي ـ تقني غير مسبوق، بعد الحرب العالمية الثانية، ويبقى في المجهول ماذا سيحدث للغرب إذا أصابته أزمة اقتصادية خانقة اوكساد عظيم جديد. هل سيصمد إجماع النخب الحاكمة أمام قبلية أوروبا الشوفينينية؟ هل توسع الاتحاد الأوروبي خارج مجاله الحيوي (خارج الغرب الأوروبي) غرب فيينا؟ ان تجربة التصويت على الدستور الأوروبي، لابد ان تجعل المثقفين العرب يعيدون تقييم درجة انبهارهم بانجازات الاتحاد الأوروبي.
ديمقراطية فعل الكرامبا
اسألوا العراقيين إذا كانت ديمقراطيتهم تصلح لبناء ديمقراطية «علمانية» مستقرة (وفيدرالية أيضاً)، وحتى لا نتجني على العراقيين يمكننا ان ننتظر نتائج وليمة الضباع في المستقبل القريب. فليس هناك من مصداقية للتنبؤ إلا في ميدان التاريخ المعاش والتجريب الميداني. أما اللبنانيون فلهم باع طويل في ميدان قلب الموازين: فقد حققوا استقلالهم (بطرد السوريين) عن طريق زيادة تبعيتهم المفرطة للغرب،
وكذلك فإذا كان الغرب مستعداً لقيام دولة مسخ في القطاع والضفة (وأبو مازن قانع بها كما يبدو) فإن السلطة الفلسطينية لا تضمن البقاء في السلطة بدون تزوير الانتخابات (كما زوّر الأميركان انتخابات العراق) وبدون التهديد بحرب أهلية فلسطينية، وشهور قليلة تفصلنا عن التأكد من صحة هذه التوقعات.
ان الكشف عن هزال أطروحة الديمقراطية في بناء الدولة العلمانية الدستورية لا يحتاج إلى استعراض ممل طويل لتجارب التاريخ. لنأخذ قضية الانتخابات في كل من العراق ولبنان وفلسطين، وقضية الدستور في العراق، وهما القضيتان اللتان تأخذان حيّزاً واسعاً في الحوار والجدال الوطنيين.
ليست كل الانتخابات حرة، هناك انتخابات تسلطية مثلما هناك ليبراليون تسلطيون. هناك انتخابات تفرق ولا توحد، محصلتها ترسيخ المواقع والمصالح القبلية ـ الطائفية ـ الاثنية، وهي الانتخابات التي تجري في هذه الدول الثلاث، وهي التي تجري في كثير من الدول العربية لانتخاب وإعادة انتخاب الحكام حلفاء الغرب.
وكذلك تفعل أنظمة حاكمة بالدساتير، فهي مفصّلة حسب رغبات الحكام ووكلائهم ووسطائهم. فإذا كان العراقيون يضعون أهمية فائقة على هذه الوثيقة، وهم بذلك يوصى إليهم، فإن الدستور لا قيمة له بدون إجماع النخبة، فإذا لم يحصل إجماع النخبة فقد الدستور شرعيته،
وأصبح أداة للهدم والتنازع. وإجماع النخبة لا يتأتى من وليمة الضباع، وإنما من الاندماج الوطني ونبذ محاصصة الأطياف والمكونات والقبائل والطوائف. إن إتباع منطق المحاصصة القبلية ـ الطائفية لدليل آخر على أن النخب العربية قد تخلت عن الاستنارة والتجرد، وهو مؤشر على مزيد من الضعف والوهن وفقدان العنفوان.
خلاصة: ما أخذ الغرب منا
لقد أخذ الغرب منا «أعز ما نملك» لقد أخذ الغرب منا عزة النفس فإذا كان لنا منها بقايا لم يجهز عليها أولي الأمر منا، فإن ذل الاحتلال، وذلك الإحساس بنقيصة التبعية لن يبقي منها شيء يعتد به. وهذا الذل المتراكم في النفس البشرية لابد أن ينعكس في أنماط مهترئة بائسة من السلوك الذليل، ولكن قادة الأطياف والمكونات والطوائف يضعون وجهاً جديداً يخفي أو يراد له ان يخفي معالمه الحقيقية المهترئة المشوهة، فهناك العراق الجديد، ولبنان الذي استعاد استقلاله، وفلسطين التي ستولد من جديد.
والعراقيون يمعنون في الاحتيال على الواقع فيشبهون واقع الاحتلال المذل باحتلال الولايات المتحدة لليابان، ودستورهم بدستور ماك آرثر الذي وضعه لليابان. ويصورون فيدراليتهم الإثنية ـ الطائفية بفيدرالية ألمانيا، وهم يريدون أن يوحوا لك أنهم سينطلقون من واقعهم المزري إلى إنجاز يشابه إنجاز اليابان والألمان.
بينما القراءة الجادة للتاريخ تجعل من فيدراليتهم تشبه إلى حد كبير فيدرالية البوسنة والهرسك والتي هي تقسيم اثني بين الصرب والكروات والبوسنياك، بضمانة حلف الأطلسي من خلال الأمم المتحدة والتي ينتظرها مستقبل غامض حزين. الرئيس بوش يشبه دستور العراق أو مسودة دستور العراق بالدستور الأميركي لسنة 1787 الذي جاء خلواً ـ عند إقراره ـ من أي إشارة للحريات والضمانات الدستورية لها.
هذه الضمانات جاءت بتعديلات بعد عدة سنوات من إقراره، وقد جاء الرد المفحم على هذا التشبيه في افتتاحية جريدة «الهيرالد تربيون» ليوم السبت الأحد 4/3/2005. فلم يعتمد أمن الولايات المتحدة في ذلك الوقت على قوات احتلال عسكرية أجنبية ضخمة تضع مواعيد اعتباطية لمداولاتها الدستورية.
وكانت الولايات الثلاث عشرة المؤسسة للدولة قد عملت لإحدى عشرة سنة سوية لتأسيس الحكومة قبل إقرار الدستور، والمداولات الدستورية المستمرة قد نجحت في صياغة دستور استنار بتعديلات دستورية وليس بتعديلات اعتباطية من خارج أي إطار مؤسسي.
وتخلص الافتتاحية إلى الاستنتاج التالي: «إن الاستمرار في الطريق الذي يسلكه العراق الآن هو وصفة للحرب الأهلية ولحرب إقليمية، ومزيد من التورط العسكري الأميركي في الحالتين».
مفكر وعالم اجتماع ـ الكويت