مع حلول صباح هذا النهار من المفترض أن يكون قطاع غزة قد بات منطقة نظيفة منظفة من أي أثر للاحتلال الإسرائيلي. على الأقل داخل محيطه. المستوطنون رحلوا منذ أيام. وخلال الليل غادرته القوات الإسرائيلية، بعدما فرغت من تدمير الأبنية والمنشآت الاستيطانية. وبعد اليوم لا علم إسرائيلي يرفرف في سمائه. بذلك تبدأ غزة مسيرة جديدة لكن أية مسيرة؟
ما يفرض هذا السؤال هو الوضع الملتبس في القطاع، فهو ومنذ فترة يعيش حالة غير طبيعية. وقد تفاقمت عشية عودته إلى ذاته. فبدلاً من أن تكون لحظة ارتياح واطمئنان، تحولت المناسبة إلى لحظة قلق وتخوف. فقبل أن تطوى صفحة اندحار الاحتلال الذي رزح القطاع تحت نيره طوال ما يقارب الأربعة عقود، بدأ التوتر ترتفع درجته بين الأطراف الفلسطينية، الموجودة على الساحة ثم تحول إلى تصعيد متسارع،
ثم إلى احتكاكات وتصفيات، ومحاولات استيلاء على مراكز ومكاتب؛ وسط حالة متفاقمة من الفوضى والتراشق بالاتهامات بين الخنادق. فبدا وكأن الساحة الخارجة لتوها من تحت نير الاحتلال، سائرة في طريقها لا إلى تعزيز وحدتها الوطنية، بل إلى إنهاكها؛ لا إلى استعادة جزء تحرر من الوطن وتضميد جراحه وإعادة تأهيله،
بل إلى التصارع على تركة أو التسابق على سد فراغ، وفي ذلك محاذير وخسائر كثيرة: ـ نقل غزة من تحت كابوس الاحتلال إلى تحت كابوس النزف الداخلي ـ الانشغال عن الاحتلال ومخططاته في الضفة ـ التسبب بضمور الدعم الدولي للقضية وتقديم خدمة مجانية لإسرائيل التي دأبت على القول إن الفلسطينيين غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم. فاللحظة هي لحظة اختبار؛ ليس فقط تجاه الآخرين؛ بل تجاه الذات بصورة أساسية.
فمعركة إقامة الدولة الفلسطينية، هي عملية انتزاع بقدر ما هي معركة جدارة. وبالكاد هي بدأت. رحيل إسرائيل عن غزة خطوة أولى، بل خطوة صغيرة بحجم مساحة القطاع، قياساً إلى مساحة الأراضي المحتلة المطلوب بناء الدولة فوقها.ويعرف الفلسطينيون، من تجربتهم المريرة، أن المشوار نحو هذا الهدف، طويل وشاق ومكلف.
وهو يتطلب لانجازه استنفار كل الجهود والطاقات، وبالكاد تكفي. وبالتالي فإن المهمة لا تحتمل أي تفريط أو شطط؛ ناهيك عن التصدع في الصف الفلسطيني ـ المفترض أن يكون موحداً بوجه الاحتلال ـ؛ حتى لا نقول بالتناحر بين أطرافه، فالمسؤولية كبيرة ومصيرية، والتاريخ لا ولن يرحم، ولتكن غزة بعد رحيل الاحتلال بداية الصحوة التي طال انتظارها، وإلا فالبديل لا شيء غير الانتحار.