مع حلول الذكرى السنوية لأحداث الحادي عشر من أيلول 2001 تتجدّد الأحاديث والتحليلات والندوات، التي تؤكّد في مجملها مدى التأثيرات الهائلة لتلك الأحداث وتوابعها المستمرة بأشكال وصور متعددة.

ولأنه من غير الممكن استعراض ماقيل أو كتب في مسببات ومنعكسات هذا الزلزال العالمي الهائل، فإننا نعتقد مع عشرات المحلّلين والباحثين والخبراء أن العرب والمسلمين من أكثر الشعوب والمجتمعات تضرراً مما حدث، حيث ينظر إليهم في أوساط التيار المتشدّد من المحافظين الجدد (في إدارة بوش) وفي الدوائر السياسية اليمينية القريبة من «إسرائيل» بأنهم يمثّلون «نبع الإرهاب» والبيئة الثقافية ـ الدينية الحاضنة للعنف والتطرّف والكراهية للغرب وحضارته عموماً.

ومتابعة السياسة الأميركية وتصريحات المسؤولين الأميركيين وبعض المسؤولين الغربيين تظهر مدى ترسّخ قناعات أشبه باليقينيات العقيدية بشأن «إرهاب العالم الإسلامي»، أو على الأقل «الإرهاب» المترعرع في المجتمعات الإسلامية.

إضافة إلى التركيز الإعلامي والتضخيم غير الاعتيادي «لقدرات» المجموعات والرموز المتطرّفة، واستغلال تصريحاتها وبياناتها وتهديداتها إلى أن أصبحت «البعبع» النفسي الكامن والمتحفّز في التلافيف الدماغية والعقل الباطني للإنسان الغربي البسيط، المسالم، والمحب للحياة.. الذي لايعرف لماذا يُهدّد ولأجل من تجري الاعتداءات عليه وتتحول حياته إلى جحيم!!. ‏

ومع كثرة التهديدات المتبادلة بين قادة أمريكا والشخصيات التي جرت رعايتها ودعمها غربياً، بقي العالم كلّه أسير هاتين الرؤيتين الإقصائيتين (من ليس معنا فهو ضدّنا)، وغابت عن «ساحة الحرب» الرؤى العقلانية، والمعتدلة، ومن المؤكد أنّ اختطاف المسار الأميركي من جانب التيار المتشدّد زاد الأمور سوءاً وتعقيداً، حيث يرى غلاة هذا التيار أنّه لابدّ من أن تمارس القوة العظمى منتهى درجات الشدّة والقبضة الفولاذية حتى تثبت للعالم كلّه فعاليتها وقدراتها اللامحدودة، وعندئذ سينصاع الجميع ويهرعون زاحفين طائعين.

وبالمقابل فإن الاسماء التي ضخمت في الإعلام الأميركي والغربي استمرأت هذه اللعبة ووجدت أنّ من مصلحتها النرجسية والأنوية المفرطة تكرار بياناتها وتهديداتها و«حربها» المفتوحة.. ولكن باسم الإسلام كلّه، محوّلة هذا الدين المتسامح المؤمن بالأنبياء والرُسل والرسالات جميعاً إلى دعوة للعنف وتصفية الآخرين وتدمير الحضارة البشرية. وبذلك يلتقي التياران والخطان المتناحران شكلا وظاهراً. أما الخاسر الأعظم فهو الأمن والاستقرار والوئام بين الشعوب والثقافات والمجتمعات كافة. ‏

لقد دفع العرب والمسلمون (والإسلام عامة) الثمن الباهظ للرؤى الأحادية القاصرة التي تضفي على نفسها صفة الخير المطلق والنطق باسم الإله وتعاليمه، مع أن العلي القدير أرسل أنبياءه رحمة للعالمين وأمر بأن يُدعى إلى سبيله «بالحكمة والموعظة الحسنة»، والمجادلة «بالتي هي أحسن». ‏

وليس سرّا أن الجماعات المتهودة في الغرب والأكثر موالاة لـ«اسرائيل» والعنصرية الصهيونية وجدت ضالتها في الخطاب المتطرف وفي المصطلحات والعبارات التهديدية، وهي تدفع الأمور باتجاه «صدام الحضارات» والثقافات والأديان. ‏

أما «اسرائيل» فكانت الرابح الأكبر من أحداث الحادي عشر من أيلول وما تبعها، ولاسيما من احتلال العراق. وهناك عدد كبير من المؤلفات العالمية الجادة التي تحدثت تفصيلا عن مكاسب «اسرائيل» من احتلال العراق، مؤكدة في الوقت ذاته أن مسيرة المحافظين الجدد أو «صقور البيت الأبيض» انطلقت بعد الحادي عشر من أيلول من أفغانستان الى بغداد (كما يقول ويليم كريستول وزملاؤه) وستتواصل إلى أن تحقق أهدافها الاستراتيجية وانتصارها الحاسم على «الدول المارقة» و«الفاشلة» و«الإرهاب العالمي» الذي يعشش (وفق تقديراتهم) في حوالى ستين بلدًا ومجتمعاً. ‏

وهكذا استُخدِمت أحداث الحادي عشر من أيلول وكلّ العمليات الارهابية، التي تستهدف المدنيين الأبرياء ووسائل المواصلات العامة والتجمعات السكانية ذرائع مناسبة لتجييش الرأي العام العالمي ولإطلاق المزيد من السياسات العدوانية والضغوط، وتشويه صورة العرب والمسلمين ومحاصرتهم.

الأمر الذي لا يخدم سوى التيار اليميني المتشدّد والمؤيد لـ«اسرائيل»، حتى تحولت سياسة الليكود الصهيونية إلى «المَثَل الأعلى» لكثير من المخططين والمستشارين المؤثرين في السياسة الأمريكية. وهو مادفع عضواً ديمقراطياً بارزاً في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى القول: «جميعنا هنا الآن أعضاء في الليكود». ‏

لقد كانت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 لحظة درامية فاصلة في التاريخ السياسي الامريكي المعاصر، ولكنها تحولت للأسف الى مقدمة خطيرة لتدخل عسكري - سياسي امريكي مباشر بشؤون العرب بدأت في العراق، ولايمكن التنبؤ بنهايتها.. لكنها - مع ذلك كله- لم تنجح في تحريك العرب واستثارة إرادة البقاء والاستجابة الواعية - العملية لما تعرضوا ويتعرضون إليه..

فهل نعيد قراءة ماحصل وتحليل نتائجه.. وصولاً إلى رسم ملامح معقولة للسيناريوهات المحتملة والخيارات الممكنة وكيفية تنفيذها، أم نبقى منتظرين لنبتلع الواحد تلو الآخر، أو «مبادرة» الآخرين في تفكيك مجتمعاتنا وتدمير نسيجها الاجتماعي والثقافي والحضاري، حتى تتحول الى كيانات متناحرة، متحاربة، فاقدة الوجود الوطني والروح والهوية والانتماء؟!

وهل قرأنا زلزال الحادي عشر من ايلول وتداعياته بصورة دقيقة وموضوعية؟! وهل أخذنا العبرة من افغانستان والعراق؟! أم مازلنا نعتقد أن نهاية الظلم والعدوان آتية لاريب فيها، ومن لم يصدق فعليه الانتظار عقوداً وربما قروناً أخرى؟!‏