إصلاح الأمم المتحدة مطلب شبه دولي، كما انه مطلب منطقي بعد مرور 60 عاماً على توقيع ميثاق المنظمة الدولية، ذلك الميثاق الذي صيغ في الاساس ليحمي مصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وحدها وهي الدول التي احتفظت لنفسها بحق الفيتو لوقف اي قرار لا يخدم مصالحها بغض النظر عن مصالح أية دولة اخرى لا تتمتع بحق النقض ومعظمها من الدول الفقيرة والصغيرة.

وحين جد الجد من اجل اصلاح الامم المتحدة ها هي نفس الدول (المنتصرة) تطل برأسها في عناد واضح لجعل (الاصلاح) المنشود مجرد تعزيز مقصود لمصالح الدول العظمى، ليس ذلك فحسب، وإنما تسعى تلك الدول إلى الحصول على حق مهاجمة أية دولة دون سابق انذار بزعم محاربة الارهاب او نشر الديمقراطية او اي عذر آخر ذلك على الرغم من فشل دول العالم في الاتفاق على مجرد تعريف ماهية الارهاب.

وكانت النتيجة ان اطيح بآمال الشعوب في الحرية والاستقلال لأن مقاومة المحتلين دخلت عنوة في التعريفات الحالية المختلطة لمفهوم او بالاحرى (مفاهيم) الارهاب.

فرغم ان القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ناضلت كثيراً لشرح نفسها للعالم الا ان اسرائيل وانصارها وبخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي اطاحت بالطموحات العربية مما اقلق العالم واشعره بالتشكك في كل المحاولات المطروحة لاصلاح المنظمة الدولية وبخاصة نظام الفيتو وعدد الاعضاء الدائمين بمجلس الامن.

ويمكن القول ان القوى العظمى تريد ان يكون الاصلاح مجرد (انبطاح) القوى الأصغر امام القوى الأكبر مما يقرب العالم من قوانين الغابة التي يأكل فيها الكبير الصغير ولا تعرف اي حدود لمفاهيم العدالة الانسانية.

إن ميثاق الامم المتحدة الحالي ينص على ضرورة حماية الشعوب الضعيفة باستخدام قوات تابعة للامم المتحدة، لكن المطلوب الان منح قوى اخرى حق شن الحروب حتى دون الرجوع للمنظمة الدولية.

إن أول خطوة في سبيل اصلاح الامم المتحدة ينبغي ان تبدأ من الارتقاء بمستوى العلاقات الانسانية بين الشعوب على نحو يقمع نزوع الفئات القليلة التي تريد اخضاع العالم لأهوائها وطموحاتها التوسعية.

لقد كشفت كارثة اعصار كاترينا حقائق عن مستوى الفقر وانعدام الرعاية الصحية والتعليمة في اكبر اقتصاد العالم، لكن لا يوجد في الميثاق الحالي ما يمكن دولة اخرى من الزام الولايات المتحدة بالاهتمام بشعبها وشرائحه المهمشة على وجه الخصوص بدلا من تحريك الجيوش لغزو العالم بحجة تحرير الشعوب.

وإذا كان (سترو) يتحدث عن اصلاح يتيح (اللجوء للقوة ضد دول تقمع شعوبها كالعراق) فاننا نود ان تحصي لندن وواشنطن عدد الضحايا من العراقيين بعد الغزو، وكما قال محاضر محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق ان القوات الاميركية والبريطانية قتلت من الشعب العراقي اكثر مما قتل صدام حسين.. فهل هذا هو التحرير من القمع أم هو القمع ذاته؟ وصدق من قال: من كان بيته من زجاج لا يرمي الآخرين بالحجارة.

إن النفاق لن يصلح شأنا دوليا، بل سيزيد من معاناة البشرية، ولذلك فمن الأفضل ابقاء الامم المتحدة على حالها بكل ضعفها وهوانها على الناس، اذا كان البديل (الإصلاح) يعني اطلاق يد القوى الكبرى في غزو من تريد من دول (مارقة) لديها ثروات طبيعية لا تريد ان تصبها (طواعية) في خزائن الكبار، او من اجل اعانة ظالم على مظلوم كما هو الحال في فلسطين على سبيل المثال.