اتصال تلقيته من مواطن كان شديد التأثر بموقف شاهده في إحدى الدوائر المحلية تلخص في إصرار الأبناء والبنات على بيع منزل العائلة بعد أن توفي ربه متجاهلين مصير الأم المسنّة التي تسكن هذا البيت، ناكرين أفضالها عليهم وغير سائلين عما قد يؤول إليه حالها وقد بلغت هذه السن، ولم يعد للأبناء هم سوى بيع البيت وقبض ثمنه بغض النظر عما سيخلف ذلك من آثار نفسية وحياتية سيئة لمن كانت سبباً في وجودهم.

القارئ الذي عاش اللحظات الصعبة التي صاحبت عملية البيع وسمع جيداً تمتمات وبكاء الأم الذي لم يستطع البرقع الذي تضعه على وجهها ولا الغشوة التي تغطي بها وجهها من درء سيل الدموع التي تقاطرت على وجنتيها ألماً وحسرة لما وصل إليه الحال، وكيف بالأبناء الذين حملتهم وربتهم صغاراً يرمونها اليوم كباراً.

هذه الأم التي تمكنت من رعاية عدد من الأبناء وهم صغار لا يعوون شيئا ولا يقوون على تأمين الحماية لأنفسهم، جاء اليوم الذي لا يستطيع كم من الأبناء تأمين الرعاية لها، نعم أم واحدة تربي عشرة وعشرة لا يستطيعون رعاية أم واحدة.ولعل ما يثير في هذا الأمر ـ على حسب القارئ ـ هو عدم حاجة هؤلاء إلى المال، وبالتالي فإن البيع لا يكون مرده الحاجة إنما هو الجشع الذي إن سيطر على المرء أفقده الإحساس بالآخرين وأمات في قلبه الرحمة.

هنا يقول لا بد من وجود إدارة لدى الجهات المختصة تعنى بشؤون الوالدين الكبار، وتمنع مثل هذه الممارسات التي لا يراعي فيها البعض مبدأ ولا قيمة ولا يتورع من الزج بالمسنين في متاهات، وهم في سن يستحقون فيها كل الاحترام والرعاية، ولا يقوون فيها على تحمل أي نوع من القسوة أو الجحود.

ولعله حري بالجهات المعنية أن تتخذ في حق الكبار ما تتخذه في شأن القصّر متمثلة في إدارة رعاية شؤون القصر، وما يمثله من حفظ لحقوقهم حتى يبلغوا الرشد، ففي الوهن والضعف يتساوى الكبير والصغير والاثنان حاجتهما إلى من يرعاهما ويحفظ حقوقهما تكون كبيرة وملحة.

fadeela@albayan.ae