يمكن أن نقول دون مبالغة إن صدام حسين أدين وحكم عليه بالإعدام شنقاً دون قاضٍ أو شهود أو محامي دفاع. ويمكن أن نقول أيضاً إن قوة الاحتلال الأميركية في العراق هي التي أدارت هذا السيناريو من وراء ستار.لقد أعلن من بغداد أن «محاكمة» الرئيس العراقي السابق حدد لها التاسع عشر من أكتوبر المقبل. لكن يلاحظ أن الإعلان لم يصدر عن قاضٍ وإنما صدر عن مسؤول عراقي في حكومة الرئيس الكردي جلال طالباني.

وبينما لا تزال أصداء هذا التصريح الحكومي تتردد طلع علينا الرئيس طالباني بإعلان أكثر تفصيلاً. فقد زف طالباني إلى العالم «أخباراً سارة». فقد «اعترف» المتهم صدام حسين بارتكاب جرائم وتنفيذ عمليات إعدام بحق أعداد كبيرة من المواطنين العراقيين.

قال طالباني متحدثاً على شاشة التلفزيون العراقي: «استقبلت المحقق الذي يستجوب صدام وشجعته على الاستمرار في هذا الاتجاه، وأعطاني أخباراً سارة بأنه استطاع انتزاع اعترافات مهمة من صدام حسين». بل وزف إلينا الرئيس طالباني المزيد من الأخبار السارة بأن وثيقة الاعترافات تحمل توقيع المتهم صدام.

ومع ذلك يصر أركان حكومة طالباني أن المحاكمة سوف تعقد في 19 أكتوبر، فماذا بقي من إجراءات سوى النطق بالحكم؟

هل هذا هو استقلال القضاء وسيادة القانون اللذان لا يكف الرئيس الأميركي بوش عن تذكيرنا وتذكير الشعب العراقي بهما في إطار تحويل العراق إلى «نموذج ديمقراطي» يجب أن يحتذى به في منطقة الشرق الأوسط؟

هناك فريق دولي من المحامين المتطوعين للدفاع عن الرئيس العراقي السابق يتقدمهم المحامي العراقي حسين الدليمي. وهناك 36 طناً من ملايين الوثائق المتعلقة بالمحاكمة. ومع ذلك لا يسمح لأي من المحامين بحضور جلسات استجواب موكلهم.. ولا يسمح لهم بالاطلاع على أطنان الوثائق فضلاً عن دراستها التي قد تستغرق شهوراً إن لم يكن سنين. بل وحتى الاتهامين اللذين وجههما إلى صدام على ألسنة مساعدي طالباني وليس على ألسنة قضاة لم يعلم بهما محامو الدفاع إلا من وسائل الإعلام.

والقصة واضحة وفاضحة. لقد تحمست الإدارة الأميركية بادئ الأمر لتقديم الرئيس العراقي السابق إلى محاكمة يتاح فيها للمتهم حق الدفاع الكامل مع السماح بنقلها إلى العالم تلفزيونياً. لكن إدارة بوش ارتعبت لاحقاً عندما أدركت أن صدام ومحاميه الدوليين رسموا استراتيجية دفاعية تفضح دور إدارات أميركية سابقة في تحالف الولايات المتحدة مع الرئيس العراقي السابق ضد إيران وضد الأكراد وتكشف المساعدات الأميركية للعراق في اقتناء مواد وأسلحة دمار شامل.

ويبدو الآن أن إدارة بوش قررت الخروج من المشهد العلني الحرج لتوكل إلى حكومة طالباني مسؤولية إجراء محاكمة قذرة مع سيطرة أميركية من وراء ستار.هذه الخلاصة يمكن أن تستنبط من طبيعة الاتهامين المحددين اللذين تقرر الآن أن ينحصر فيهما أمر «المحاكمة». فبينما يتعلق الاتهام الأول بطائفة الشيعة (إعدام 143 شيعياً) فإن الثاني يتعلق بالأقلية الكردية (قتل جماعي في كردستان).وبما أن الائتلاف الشيعي والأقلية الكردية يحتكران آلة الحكم بدعم أميركي.. فهل يحتاج المغزى إلى تفسير؟