بعيداً عن الصخب الذي رافق عملية التصويت وشكوى بعض المنظمات من حدوث خروقات تبقى الانتخابات الرئاسية المصرية - وهي الأولى التي تجري على اساس تعددي وبالاقتراع المباشر - الحدث الأهم في تطور العملية السياسية في مصر . فلأول مرة في التاريخ ينتخب المصريون رئيسهم من بين اكثر من مرشح، صحيح أن المادة 76 من الدستور وضعت قيودا على من يحق لهم الترشيح، وهو ما قوبل برفض قاطع وحاد من القوى والأحزاب المعارضة.

إلا أن ما جرى في السابع من سبتمبر سيبقى علامة فارقة في حياة المصريين الذين خرجوا لاعلان صوتهم المؤيد او الرافض لهذا المرشح أو ذاك في جو من الحيوية افتقدته الحياة السياسية في السنوات الأخيرة .المعارضون خرجوا في تظاهرات تعامل الأمن معها بطريقة اكثر ودية من تظاهرات سابقة،

والمؤيدون لمرشح الحزب الوطني الحاكم ردوا بالصور والملصقات، في مشهد ستظهر ايجابياته في السنوات المقبلة، بعد ان تخلى عدد كبير من المصريين عن حالة السلبية التي اتهموا بها، ورأينا على شاشات الفضائيات نقدا عنيفا للنظام دون ان يقع ما لا تحمد عقباه ا كما حدث ربما مع بعض تلك الاصوات ذاتها في مرات أخرى.

ربما يتصور البعض أن الأمور ستعود إلى سابق عهدها بعد اعلان النتائج والفوز المتوقع للرئيس مبارك، غير أن من تابع رد الفعل على المادة 76 من الدستور وما جرى خلال مرحلة الترشيح والتصويت على مقعد رئيس الجمهورية يدرك ان شيئا من ذلك لن يحدث، فقد حركت الانتخابات الرئاسية المياه الآسنة، وفتحت الطريق امام المزيد من دعوات الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ظل لسنوات مسكوتاً عنه، أو على أقل تقدير غير مطروح بالقدر الكافي على الاجندة السياسية الرسمية.

اليوم وبعد ان تبارى المرشحون في الحملات الدعائية في شرح خططهم للاصلاح في محاولة لجذب الناخبين، لم يعد خافيا على احد مقدار التحديات التي تنتظر مصر في المرحلة المقبلة، وانشغل المصريون في نقاش عام وجدي، بحثا عن الحلول لمشكلات تراكمت، ولم يعد مقبولا تجاهلها.السابع من سبتمبر انعش الأمل في امكانية التغيير والتطور الديمقراطي، ولن تفلح اية محاولات للعودة إلى الوراء،

ونعتقد ان الانتخابات البرلمانية التي ستجري في نوفمبر المقبل ستبرهن على حالة الصحوة غير المسبوقة في الشارع المصري.لقد اشار اكثر من محلل ومراقب إلى الحراك السياسي الذي احدثته الانتخابات الرئاسية، هذا الحراك الذي يصعب تجنب نتائجه صوب المزيد من الحريات، وفتح النوافذ كاملة على الإصلاح الحقيقي الذي يتوق اليه ملايين المصريين،

وظلوا يتطلعون إليه حتى حانت لحظة التعبير عنه باعلى الأصوات، وهو الشيء الذي يصعب على اي قوة ان تمنع تاثيراته المزلزلة لحالة الركود التي عانى منها المصريون سنوات طوال.خرج العفريت من القمقم، وليس مطلوبا اعادته ولا حتى ترويضه، كل المطلوب إعطاء الناس الأمل وفرصة المشاركة في صنع المستقبل بكل حرية.