عندما كنا نسمع هذه المقولة قبل ما يقارب العشرين عاماً، كنا نعتقد أنها دلالة على انتشار وسائل الإعلام وسرعة تغطيتها للخبر وأن ما يحدث في أصغر مدينة في أميركا أو الصين أو أية بقعة من بقاع العالم، سوف يكون على مرأى ومسمع المشاهد حتى وإن كان في قرية صغيرة على رؤوس الجبال في رأس الخيمة.

أما ما نشهده اليوم هو حقاً ثورة في مجال الاتصال والتواصل، قد نجد أن الإنسان لا يتواصل مع أقرب الناس إليه أو حتى بيت جاره الملاصق لبيته، ولكنه يتخاطب مع شخص مر بالصدفة عليه عن طريق شبكة الانترنت فيلتقيان ويتعارفان بشكل عاجل، وغير مهم أن يتم التعارف الحقيقي بالأسماء أو الألقاب فيقومان بإضافة كل منهما لبريد الآخر على القائمة المفضلة لديه، تحت مقياس واحد هو درجة الإبهار التي يأتي بها أحداهما للآخر،

ودون أن يكون لديهما التزام مادي أو أدبي تجاه بعضهما فبالإمكان إنهاء العلاقة التي نشأت صدفة بالسرعة نفسها التي بدأت بها، وهذه الإمكانية أصبحت متاحة للجميع حتى بين الأطفال القادرين على التلاعب على شبكات الاتصال بالتزوير في أعمارهم الحقيقية ليتمكنوا من إنشاء بريدهم الالكتروني الخاص، الذي يفتح بشفرات خاصة بعيداً عن أعين الكبار ورقابة الأهل.

وكما لهذه الظاهرة جوانبها السلبية في انتشار المواد المحظورة من صور إباحية ومواقع لا اخلاقية، أو ما يسمى بغرف الدردشة، تلك التي يشترك فيها أكثر من طرف للثرثرة وهدر الوقت، فإن لها جوانب إيجابية، كونها وسيلة تعارف جديدة احتلت مكان المجلات التي كانت تنشر عناوين الراغبين في التعارف وتبادل المعلومات بين الشباب، فيكتبون لبعضهم وينتظرون لأيام وأسابيع ولا ينسون تذييل العنوان على الأظرف بكلمة شكراً «لساعي البريد».

حتى يضمنوا وصول الرسالة، شباب من المغرب والسودان ومصر يكتبون لشباب من الخليج، يتبادلون المعلومات الثقافية والصور وحتى الطوابع، بشكل فيه الكثير من المصداقية والبراءة، ربما خوفاً من أن تقع الرسالة بيد الأب أو أحد الأقارب.وهنا تكمن ميزة التعارف الذي يتم عن طريق شبكات الانترنت فهو أسرع، وأكثر انتشاراً فبالإمكان الاشتراك فيه لأكثر من طرف،

فحين يكتب أحد الأطفال من المملكة العربية السعودية على شبكة الانترنت «إنني اسمع الآن صوت إطلاق نار ودوي قريب من منزلنا، ثم يغيب للحظات ويكتب إن الانفجارات تقترب أكثر من سطح دارنا، لكنني لا أعلم الأسباب». ويعاود الكتابة والتواصل مع من صادفهم على الشبكة ثم يغيب وينقطع عن الكتابة، ربما يكذب المتصلون معه على الشبكة ما يقوله، فيلحون بالاستفسار أكثر عن ما يجري لديه ولكنه لا يجيب،

حتى تكتب الصحف في اليوم التالي أن قوات الأمن السعودية قتلت مشتبه بهم، ثم حاصرت ودمرت مبنى سكنياً في منطقة الحمراء في الدمام لجأ إليه المطلوبون بعد حصار دام ساعات عدة.إذن لا يوجد أسرع ولا أدق من وصول هذه المعلومة أو ذاك الخبر حتى وإن مارست الدول كل أشكال الحصار على ما يحدث في شوارعها معتبرة ذلك شأناً داخلياً لا يحق للآخرين العلم به، أو الاطلاع عليه.