لا أحد يعرف بالضبط ما هي حقيقة «الأفكار المبتكرة» التي قيل إن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أبلغ كوفي عنان أثناء محادثة هاتفية معه أنه سيعرضها عليه أثناء لقائهما في الأمم المتحدة.تماماً كما أنه لا يعرف أحد بالضبط ماذا سيكون «رد الفعل الذي سيصدر عن الأمين العام تجاه ما سيسمعه من أحمدي نجاد».

لكن القدر المتيقن من القضية حتى الآن هو أن أحمدي نجاد وفريقه الجديد إذا لم يفعلوا أي شيء جديد من الآن حتى لقائهم بالأمين العام، أو حتى إذا لم تحصل الزيارة فإن الإيرانيين استطاعوا عملياً أن يخلطوا أوراق اللعبة النووية حول بلادهم بنجاح. وربما كان هذا هو المقصود بـ «الأفكار المبتكرة» وليس أكثر! كيف؟

المعروف انه وحتى ساعات قبل انتخابات الرئاسة الإيرانية كان العالم كله مشدوداً إلى موعد نهاية شهر يونيو المنصرم حيث كان يفترض أن تقدم أوروبا ـ الترويكا الأوروبية بالطبع ـ رزمة كاملة من المقترحات إلى طهران لترد عليها الأخيرة بالسلب أو الإيجاب، فإن كانت بالسلب فإن طهران ستكون في موقع «الاتهام» من جانب المجتمع الدولي وإن كانت سترد بالإيجاب فإن طهران ستكون في موقع «الاتهام» أيضاً ولكن من جانب جمهور الرأي العام في الداخل.

ولما كانت طهران تعرف قبل غيرها بأنها ليست في مقام إلحاق «هزيمة» كاملة بالترويكا الأوروبية بضربة واحدة كأن ترفض رزمة المقترحات مرة واحدة، كما انها ليست في المقام الذي تستطيع أن تستغني فيه عما تعتبره منجزاً وطنياً يحظى بإجماع قومي ـ أي الدورة النووية الكاملة ـ فقد قررت بأن أفضل السبل لتجاوز هذا المنعطف هو أن «تخربط» اللعبة بقواعدها التي اعتادت عليها الترويكا الأوروبية مع الفريق النووي الإيراني السابق.

كيف؟

وفي وقت ما كان أحد المراجع الأصولية المعروفين يقول أثناء وصفه للعبة الشد والجذب بين واشنطن والحركات الأصولية في المنطقة بأن الأصوليين إذا كانوا غير قادرين على إلحاق ضربة قاضية بخصمهم. إلا إنهم قادرون على «خربطة» ديكور المشروع المضاد وتغيير قواعد اللعبة بانتظار حصول تحول في موازين القوى فيما بعد.

قبل أيام سألت دبلوماسياً من دولة عظمى صديقة لإيران إن كان يعتقد أن الملف النووي الإيراني ذاهب إلى الاشتعال والحسم قريباً؟ فأجاب: لا أظن ذلك، باعتبار أن الأطراف كلاً منها على انفراد اعجز من حسم هذا الملف لصالحها في المدى المنظور! مضيفاً: أن ملف إيران النووي قد يطول حضوره في المشهد الدولي بطول ما تبقى من عمري أو عمرك!

وعليه يستنتج ذلك الدبلوماسي المخضرم بأن الملف النووي الإيراني سيبقى حاضراً لأمد طويل على طاولة أكثر من رئيس أميركي وأكثر من رئيس أوروبي دون حسم والمبادرة ستظل بيد الإيرانيين ماداموا يتصرفون ضمن «قواعد المعقول».وهذا هو بالضبط ما يفعله وسيظل يفعله الإيرانيون، وهذه هي بعض ما نظن أن الفريق النووي الإيراني الجديد سيقدمه من أفكار جديدة للطرف الدولي المعني الأكثر من غيره بقواعد المعقول:

أولاً: إن المسألة بالأساس تخص العلاقة القانونية والحقوقية بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أي طرف دولي آخر قوياً كان أو ضعيفاً.

ثانياً: إن المسألة بالأساس تقنية ـ قانونية ـ حقوقية قبل أن تكون سياسية.

ثالثاً: إذا كان لابد من «التسييس» كشرط من قبل الوسطاء الأقوياء فلماذا لا يكون هذا الحق للجانبين؟ ولماذا يكون محصوراً بيد الترويكا الأوروبية وحدها؟!

رابعاً: إذا كان لابد من اللعب بالسياسة فلماذا الإصرار على اللعب بأوراق «مكشوفة» ذلك إن الشفافية إذا كانت مطلوبة فيما يخص الجوانب التقنية والحقوقية والقضائية للملف النووي فإنها ليست واجباً ملزماً لأحد في عالم السياسة والدبلوماسية الذي يقوم أصلاً على المناورة وتدوير الأوراق وخلطها باستمرار!

طبعاً مادامت المناورة ضمن «قواعد المعقول».

خامساً: إن أهم ركيزة في قواعد المعقول فيما يخص الملف النووي هو أن لا تكذب على المجتمع الدولي وأن لا تخرج عن سكة النشاط السلمي وأن تبقى أبواب الحوار مفتوحة مع الجميع وأن لا تحشر نفسك في خانة هذا البعد الدولي أو ذاك!

ولما كان الأميركيون غارقين في المستنقع العراقي حتى أذنيهم ـ ثم ها هي كاترينا تقاتل إلى جانب االعراقيين وتفرمل تحفز الأميركيين ضد إيران، والأوروبيون أكثر قلقاً من أي يوم مضى من خطورة نقل الملف الإيراني من حالة السلم والحوار إلى حالة القطيعة والحصار والعنف.

فإن الإيرانيين يجدون أنفسهم أقوى من أي وقت مضى لوضع الجميع أمام الأمر الواقع وذلك من خلال تغيير قواعد اللعبة سواء عبر توسيع دائرة اللاعبين أو تغيير «ديكور» المفاوضات أو إدخال حقائق جديدة فيها مثل حق إيران بممارسة نشاطات تعتبر ضمن «قواعد المعقول» كمنشأة اصفهان ومن ثم الذهاب إلى المفاوضات والحوار بهذه الخريطة الجديدة من اصطفاف القوى والعناصر والأبعاد.

عندها سيسأل كل عضو من أعضاء مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية الخمسة والثلاثين بل وكل عضو من أعضاء مجلس الأمن الدولي ربما عن «المبرر» القانوني لنقل ملف إيران النووي من طاولة الحوار إلى طاولة المواجهة؟ والضريبة التي سيتحملها العالم جراء مثل هكذا قرار لاسيما بعد تجربة العراق المرة و«غزوة» كاترينا الطبيعية؟!

أمين عام منتدى الحوار العربي الإيراني