إعصار كاترينا يضرب واشنطن.. عنوان معبّر في صحيفة «نيويورك تايمز» عن الانتقادات الواسعة والمختلفة والمتزايدة التي تتعرض لها الإدارة الأميركية بسبب غياب التحضير لمواجهة هذا الإعصار الذي ضرب مدينة نيو أورليانز، ولسوء الإدارة والتباطؤ في التعامل مع الإعصار بعد حدوثه، علماً أن هناك تحذيرات من خبراء منذ عام 2002 باحتمال حدوث إعصار من هذا النوع وبهذه القوة، ومقترحات من هؤلاء الخبراء حول كيفية التعامل الاستباقي مع كارثة طبيعية بهذا الحجم.
علماً أيضاً أن الولايات المتحدة قد بلورت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع الكوارث غداة حصول الأعمال الإرهابية التي ضربتها في 11 سبتمبر، رغم ذلك كله بدت الولايات المتحدة وكأنها لا تملك أي جهوزية للتعامل مع كارثة من هذا النوع تركت خسائر بشرية كبيرة وخسائر مادية، يعتبر البعض من المسؤولين في مؤسسات تأمين كبرى وفي مؤسسات مالية، أنها الكارثة الطبيعية الأكثر تكلفة عبر التاريخ، باعتبار أن المنطقة المنكوبة تضم أهم وأكبر تجمع لصناعة النفط وتكريره.
كشف الإعصار أن الولايات المتحدة، القوة الفائقة والقوة الأكثر تقدماً اقتصادياً في العالم، تحوي في طياتها مجتمعات عالم ثالثية وتتعامل أحياناً مع الأحداث الجسام التي تصيبها بأداء وفعالية لا يتجاوزان أداء وفعالية دول نامية. جملة من الملاحظات يمكن التوقف عندها بعد حدوث هذا الإعصار،
أولاً، ساهمت الجغرافيا والاقتصاد في أن تكون أكثرية الضحايا من السود باعتبار أن المناطق المنكوبة أكثر من غيرها هي المناطق المنخفضة في المدينة، وهي المناطق الأكثر فقراً وأقل نمواً، والسود يشكلون غالبية هؤلاء الذين لا يملكون القدرة على التحرك السريع والذين عادة يفضلون البقاء في مكانهم والتمسك بكل ما يملكون وعدم المغادرة وتحمّل نتائج المخاطرة بالبقاء.
ثانياً: أدى ذلك إلى إثارة موضوع ذي حساسية خاصة وكبيرة في المجتمع وفي السياسة الأميركية وفي الوعي الجماعي الأميركي، وهو مشكلة التمييز العنصري بعد أن ثار الزعماء السود وعبروا عن غضبهم وقلقهم لما حصل بعد الإعصار، وثار جدال في الولايات المتحدة حول الثمن الذي يدفعه دائماً السود في المشاكل الوطنية الكبيرة، واتهم الرئيس الأميركي بأنه لا يحمل أي اهتمام، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل على مستوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يعبر عنها ويحملها للفقراء وللسود بشكل خاص.
ثالثاً: لعب الإعلام أو السلطة الرابعة دوراً مجتمعياً وإنسانياً مهماً في التعامل مع نتائج الكارثة من خلال تحسيس الرأي العام للمساعدة وجمع التبرعات وإقامة الحفلات الخيرية لذلك، فجاءت السلطة الرابعة، كما قال أكثر من مراقب لتغطي بعض العجز الذي نتج عن سوء أداء السلطة التنفيذية.
رابعاً: تحول الإعلام بشكل عام إلى القيام بحملة انتقاد واسعة للإدارة الأميركية لسوء تعاملها مع الكارثة، وانخفض وهج الخطاب الإعلامي الذي كان يشدد على الوطنية الأميركية وعلى دعم السياسة الأميركية في الخارج بعد 11 سبتمبر وفي العراق بشكل خاص ليتركز الخطاب على عدم توفير الأمان والأمن للمواطن الأميركي في الداخل،
وهذا تحوّل أساسي في الخطاب الإعلامي منذ 11 سبتمبر، وركز الإعلام على مفارقات مثيرة للاهتمام، ومنها مثلاً كيف أن اندونيسيا الدولة النامية كانت أكثر فعالية ونجاحاً في حالات معينة، وفي اللحظات الأولى في التعامل مع نتائج إعصار تسونامي مقارنة مع ما قامت به الولايات المتحدة تجاه إعصار كاترينا.وبدأت المقارنات تبرز حول كيفية توظيف الإمكانيات المادية الأميركية والعسكرية في الحروب في الخارج وفي العراق بشكل خاص بدل أن توظف في التعامل مع الكوارث في الداخل.
خامساً: بدأ التضامن الإنساني مع الولايات المتحدة والآتي من مصادر دولية مختلفة والترحيب الأميركي الكبير بذلك ليذكر الإدارة الأميركية أنه حتى القوة الفائقة والأكثر تقدماً في العالم بحاجة إلى التضامن الدولي والمساعدات الإنسانية في الأزمات الكبيرة، وربما ليجعل واشنطن تعيد التفكير في سياسات الاستعلاء الأحادية
وعدم التعاون الدولي باتجاه سياسات تقوم على تنشيط وتعزيز أطر التعاون الدولي من أجل مواجهة المآسي الإنسانية التي تصيب الأقوياء والضعفاء في العالم. إنها لحظة تفكير نرجو أن تنتج عنها مواقف إيجابية مستقبلاً، لأن المآسي هي أكثر الحالات التي تفرض على الدول وعلى البشر تصحيح مسارهم وإعادة النظر في الكثير من سلوكياتهم وسياساتهم.
كاتب لبناني