نمط حياة العامة وطريقة تفكيرهم وارتداؤهم لملابسهم وأكلهم وشربهم وعملهم وترفيههم عن أنفسهم، كلها مؤشرات حقيقية وحساسة للكثير من القرارات والسياسات التي تتخذها إدارات الصحف منذ البدايات وبشكل أكبر في الوقت الراهن.وتدخل قدرة الصحف وذكاؤها في فهم نمط حياة الناس والتأقلم معها من ضمن العوامل الجذرية التي تركز عليها استراتيجيات إدارة الصحف الحديثة التي تضم فيما تضم، الإلمام الكامل بصناعة الصحف تاريخاً واقتصاداً وتطوراً.

والمتتبع لمدى تأثير نمط حياة الناس على قرارات الصحف وإداراتها يجدها أوضح ما تكون في الولايات المتحدة، فأميركا من الدول السباقة في جس نبض الشارع وحياة الناس بكل تفاصيلها الدقيقة بعد ان وجدت ان اقتصادها يعتمد في الأساس على أسلوب حياة الناس. ومحتوى الصحف الصباحية مقارنة بالصحف المسائية هناك هو اكبر دليل على ذلك.

في السابق رصدت سياسات التحرير الوقت المتاح لغالبية الناس لقراءة الصحف، ويومها كان السواد الأعظم من القراء يتكون من العاملين في المناجم والمزارع والمصانع، وهؤلاء كانوا ينطلقون إلى أعمالهم قبل طلوع الشمس ويبدأون يومهم بشكل لا يدع مجالاً للقراءة، وأما عند انطلاق هذه الفئات إلى منازلها عند الثالثة ظهرا، تكون الرغبة لديهم جامحة لالتهام الصحف وأخبارها.

ورصدت الصحف يومها ان حالة العامل المنهك في هذا التوقيت لا تولد عنده الرغبة لقراءة الأخبار الجادة والأحداث السياسية العامة، بل كانوا يميلون إلى قراءة الأخبار الظريفة والأحداث الخفيفة والمواضيع المسلية. بعد هذه النتائج، اصطبغت صحف المساء بهذه النوعية من المحتوى مدعومة بأعمدة رأي وتحاليل كتاب ونسبة من الأخبار.

اليوم وبعد ان تغير نمط الحياة العامة، وبعد ان تحولت الغالبية العظمى لتضم رجال أعمال وأصحاب تخصصات علمية وتكنولوجيا وتقنيات حديثة تعمل نسبة كبيرة منها في شركات متعددة الجنسية، تحول التركيز إلى تلبية رغبات المنطلقين إلى أعمالهم عند التاسعة صباحا المتلهفين إلى قراءة الأخبار الجادة والأحداث الدولية الساخنة.

فهؤلاء يريدون ان يعرفوا أحداث العواصم العالمية وأخبار المال والبورصات وصراعات التكنولوجيا، فاضطرت صحف الصباح إلى تخصيص أبواب موسعة لهذه النوعية من الأخبار لتتحول إلى الصحف الأكثر ارتباطا بأحداث العالم.في عالمنا العربي تتغير أنماط الحياة اليوم بصورة أسرع من الغرب،

ونوعية القراء تتبدل يوميا، ومن بينها ساعات العمل وطريقة التفكير ومكان وأسلوب المعيشة، إلا ان الصحف العربية لا تجاري ولا ترصد هذه التغيرات بدقة وبالتالي لا يشعر الناس بتغيير في محتوى الصحف بما يلبي حاجاتهم بالكامل، فهل هو إغفال من إدارات الصحف أم هو الخوف من اتخاذ قرارات مصيرية في عالم الصحافة العربية؟