نحن نصنع العفريت. ونرتعش منه..ننحت الصنم.. ونعبده.. نخترع الخرافة.. ونصدقها.. نكتب الأسطورة ونتوارثها.. إن نصف تاريخنا وهم.. ونصف أبطالنا خيال. امتطى الزعيم المصري احمد عرابي صهوة جواده أمام الخديوي توفيق.. وراح يعرض عليه مطالب الأمة.. ليقول له عبارته الشهيرة التي نتوارثها جيلا بعد آخر: «لقد ولدتنا أمهاتنا أحراراً ووالله لن نورث او نستعبد بعد اليوم»..

خطأ شائع.. اخترعناه.. وصدقناه.. وكتبناه.. ورسمناه.. فليس هناك دليل تاريخي واحد على حدوثه بما في ذلك مذكرات احمد عرابي نفسه التي حققها المؤرخ الألماني اليكسندر شولش.ولم ينم الخليفة عمر بن الخطاب تحت شجرة.. ولم يقل البدوي الذي جاء لمقابلة العبارة التي لا نزال نرددها بثقة وحيوية: عدلت فأمنت فنمت يا عمر.. مبالغة أخرى يصعب قبولها.. فالتاريخ الإسلامي لم تبدأ كتابته الا بعد مائة سنة من هبوط الوحي على النبي محمد.

ولم يحرق طارق بن زياد سفنه وهو يقود جيش المسلمين لفتح بلاد الأندلس.. ولم يقل لجنوده: «البحر من أمامكم والعدو من خلفكم».. ولو فعل لكان أسوأ قائد عسكري في التاريخ.. ولكان قد فقد كل شيء - رجاله وعتاده- وعاد إلى الجزيرة العربية مشيا على الأقدام.

ولم يكن الملك فاروق يشرب الخمر.. ولم تكن النساء تصل معه إلى نهاية المطاف.. ولم يكن مطبخه يغلي الخراف حتى يكثفها ويركزها ويضعها في أقراص صغيرة يتناولها صاحب الجلالة لتزيد قوته كما كنا نتخيل ونحن صغار. تلك اللقطات الخيالية التي تضع الحكام والزعماء في مصاف الأولياء وإنصاف الآلهة مجرد فاتح شهية يغري بتناول الوجبة الدسمة التي تقدمها الدكتورة «عزة عزت» في كتابها الممتع الجريء : «صورة الرئيس»..

فمثل هذه الحكايات والمبالغات الأسطورية هي رغبة شعبية حقيقية لدعم صورة البطل وتلوينها وزخرفتها بألوان الطيف.. او لرفعه من خانة القش والطين البشرية إلى خانة البرق والنور الخرافية.. وهي صناعة مصرية.. برعت فيها حاشية الحكام وكهنة معابده وخبراء مؤسساته الدعائية.. وروجوا لها كي ينفخوه ويبعدوه.. ويعزلوه.. ليتفرغوا هم إلى ما هو أهم.. السيطرة على مقدرات الأمة.. والفوز بالغنائم والسبايا..

ولا مانع من ان يهاجموه ويفضحوه إذا ما فقد عرشه.. والمؤكد أنهم أول من سيهربون من السفينة إذا ما شارفت على الغرق. ان كلمة فرعون تعني المشرع.. المنقذ.. ظل الإله على الأرض.. المرجع الأعلى.. الذي يحكم القضاء باسمه ولا يقوله البشر على الدنو منه.. وترفع له طلبات الشفاعة والاسترحام.. هو الجليل القدر العليم.. الحكيم المنزه الذي لا يخطئ.. العادل المنصف المتواضع الرحيم.. استغفر الله العظيم.

وقد بقيت صناعة « الفراعنة» صناعة رائجة.. سائدة.. مسيطرة على عقول المصريين فما ان يجلس الحاكم في بلادهم على كرسيه حتى تنهال عليه تيجان الأوصاف.. وأوسمة الكلمات.. ونياشين الألقاب.. وأكاليل الغار. فلم تمر أسابيع قليلة على ظهور اللواء محمد نجيب حتى لقبته صحيفة الأهرام بجندي مصر الأول.. ورجل الساعة.. والقائد البطل الذي حرر البلاد.. والمنقذ الأكبر لمصر بشجاعته..

ونشرت انه يتمتع بنصيب وافر من الجرأة والحكمة وصلابة العود وصفاء الذهن وقوة الاحتمال وحب القتال وتقديس النظام وسعة الاطلاع وقوة الذاكرة ومعرفة اللغات وخبرة الطبخ.. أما جاذبيته فهي منحة من السماء.. تضفي نورا على وجهه الذي لا يقدر احد على مواجهته.

ونشر انه تلقى غليونا انجليزيا هدية من مجهول.. لكنه.. أصر على دفع رسوم الجمارك عليه.. وهو ما فعله أنور السادات فيما بعد عندما أصر على دفع رسوم الجمارك على تلفزيون ( 14 بوصة) اشتراه من المنطقة الحرة في بورسعيد.. كما نشر ان محمد نجيب أعطى كل ما في جيبه من مال لسيدة بائسة.. وحذر من استخدام اسم عائلته في تحقيق مكاسب شخصية..

وبيعت صورة له في مزاد لصالح الأيتام بخمسمائة جنيه.. على أن ذلك الأب الحنون تبخر من عيون المصريين يوم ترك السلطة، بل ان اسمه شطب من كتب التاريخ.. بل وأعلنوا وفاته وهو لا يزال على قيد الحياة، وسمع ذلك بنفسه في الإذاعة، فقرأ الفاتحة لعل الله يرحمه. فما دامت رئاسة الدولة قد أعلنت انه مات.. فقد مات.

ولم يحظ حاكم في مصر بما حظي به جمال عبد الناصر. وتكونت صورة ذهنية له تجاوزت الأسطورة.. ورغم محاولة العبث بها بعد وفاته فإن ملامح الصورة تأكدت وازدادت وضوحا.. بل وترسخت لتفرض عبئاً على من جاء بعده.. وتجانست صورة جمال عبد الناصر مع سلوكياته.. فلم يكن متواضعا أمام الكاميرات متغطرسا وراءها..

ولم يكن مستقيما أمامها فاسدا في ظلالها.. «إن الإخلاص المتأصل فيه جعله رمزا لأمته » على حد قول المفكر الفرنسي مكسيم رودنسون. وعلى لسان ضابط مخابرات إسرائيلي يقول أنيس منصور : إن الإزعاج الحقيقي الذي يسببه جمال عبد الناصر هو انه ليست له رذائل.. انه معصوم.. لا يمكن شراؤه.. ولا استمالته.. إننا نكره شجاعته... ولكننا لا نملك معه شيئا.. إنه نزيه إلى درجة مذهلة.

إن الكاريزما الشخصية واتساق الشخصية مع نفسها بجانب الأغاني وقدرته على الوصول إلى قلب المواطن البسيط هي الوسائل المباشرة والمؤثرة في رسم صورته وتدفق سماته: الشجاعة..القوة..الشدة في الحق.. نبذ العنف.. كراهية الفساد.. القدرة على التأثير.. بعث الأمل في النفوس.. الانحياز للفقراء.. الاستقامة.. طهارة اليد النزاهة.. الصدق.. التدين دون تزمت.. البساطة.. التواضع.. البعد عن الملذات.. رفض المحاباة.. الإخلاص.. القدرة على التحدي.. حب الفكاهة.. القبول.. المهابة.

وقد كانت هذه السمات عبئا على خليفته أنور السادات مهما كانت درجة قبول المصريين له.. ومنذ اللحظة الأول لتوليه السلطة حاول ان يكون ممثلا مسرحيا بارعا يقنع الناس بالدور الذي يؤديه.. لكنه.. فشل.. رغم انجازه التاريخي بعبور القناة والانتصار في حرب أكتوبر إلا أن ذلك الانجاز ضاعف من جنونه بالمظهرية وشعوره بالعظمة.. ورغم نيته الحسنة في تغيير النظام السياسي إلى نظام أكثر انفتاحا فإن الفساد الذي ولد واستشرى في عصره كان سرطانا قاتلا لكل شيء.. لا يقدر على القضاء عليه احد.

وتصور أنور السادات ان الدولة العصرية هي الدولة التي يتصرف رئيسها على الطريقة الغربية.. فسمح بنشر صور فوتوغرافيه له وهو بالملابس الداخلية.. ولم يعترض عندما قبل الرئيس الأميركي زوجته.. ورقص معها وبصفة عامة ترصد الدكتورة عزة عزت ملامح الصورة المكبرة له في صفات متتالية كطلقات الرصاص.. فهو شديد الاعتزاز بنفسه.. شديد الحساسية لكرامته.. حريص على هندامه.. نظيف.. يحب التغيير.. يفضل ان يبدو مختلفا.. استعراضي.. شغوف بالطعام.. صريح.. بسيط.. طيب القلب..

هادئ في مواجهة الأزمات.. يحب الوحدة والتأمل.. ريفي الفطرة.. وطني متحمس.. لكنه غير قومي.. يتمتع بروح الدعابة.. له إرادة حديدية.. حريص يعرف كيف يستر مشاعره.. ذاكرته قوية مرتبة.. ماكر.. يلعب بالبيضة والحجر.. محير.. مخادع..يعشق خبث الفلاحين.. لا يقرأ.. لا يغرق في التفاصيل.. نظرته حادة قلقة.. غير مريحة.. يهوى الصدمات الكهربائية والمفاجآت السياسية.. مناور.. يؤمن بالغيبيات.. انتهازي.. يستهين بالآخرين.. لا يسمع الرأي الآخر.

ولا يتضمن كتاب الدكتورة عزة عزت فصلا عن الصورة السياسية والشخصية للرئيس حسنى مبارك.. ولا نظن ان ذلك الابتعاد سببه الخوف.. وإنما سببه ان الصور التي رسمتها لمن سبقوه كانت مكتملة باكتمال عصورهم بينما لا يزال الرئيس حسني مبارك في السلطة.. قادرا على الاستمرار فيها.. بل أكثر من ذلك.. تغيرت طرق صناعة الصورة بعد الانقلاب التشريعي والدستوري الذي قام به لتغيير طريقة اختيار رئيس الجمهورية من الاستفتاء إلى الانتخاب المباشر.. وهي قصة أخرى يمكنها ان تنتظر.

كاتب مصري