الطريقة التي اغتيل فيها اللواء موسى عرفات مبرمجة بحيث يتفرق دمه على الجماعات المسلحة والعائلات ومراكز القوى المستفيدة في غزة. فأعداء عرفات كثيرون بحكم موقعه السابق كقائد لجهاز الاستخبارات العسكرية الذي اعتبر أشرس الأجهزة العسكرية الفلسطينية سواء بمشاركته في الانتفاضة عسكريا أو بمحاولة عناصره فرض هيبتهم على الساحة الفلسطينية.

ولهذا فإن الاتهامات له كثيرة من حيث اعتقال مواطنين وتعريضهم للتعذيب وفي حالات أخرى الموت تحت التعذيب. وموسى عرفات لمن يراه يبدو هادئاً وديعاً دائم الابتسامة يتسم بالبساطة ولم تسنح لي فرصة لقائه إلا مرة واحدة، لكنه تحادث معي هاتفيا مرات عدة مبدياً إعجابه ببعض ما كتبناه عن قضايا الفساد إحداها خرجت من مكتبه حيث قام بالتحقيق في قضية متنفذ كان يأخذ مخصصات لتنظيم وهمي قدرت بأربعمئة ألف دولار سنوياً من الرئيس الراحل ياسر عرفات وكانت وظيفة زعيم التنظيم الظهور إلى جانب الرئيس عرفات في صلاة الجمعة،

وفي العام الماضي فوجئت باللواء عرفات يتصل بي ويبلغني انه جاء من غزة لحضور اجتماع عسكري لدى الرئيس لبضع ساعات ويريد زيارتي في مكتبي وبعد دقائق كان ضيفاً لدي .. وقد سحبت التقرير المذكور فهز رأسه وقال «لم أستطع اعتقاله فبعد مطاردتي لهذا الشخص جاء أمر من الرئيس بعدم اعتقاله»، وقلت له إنني لم أستطع نشره أيضا بل اكتفيت بالإشارة إليه في مقال عن رجل يكسب أربعمئة ألف دولار سنويا مقابل صلاة جمعة ربما بلا وضوء.

كنت المس في اللواء عرفات تصميما ما على كبح الظواهر السلبية لكن الروايات في غزة عنه تضاربت حول كسبه غير المشروع وهي اتهامات ملازمة لكل قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعضها صحيح وبعضها ملفق. إلا أن الواضح جدا أن كل قادة الأجهزة يعيشون بحبوحة مادية ولم تتم مساءلة أي منهم عن مصادر دخله.

طبيعة تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية جعلها تتحول إلى إقطاعيات خاصة فولاء عناصرها كان دوما لقادتها .. والصرف عليها ظل ردحاً من الزمن يتم عبر قادتها مباشرة وهذا يعني ضمنا تكديس أموال دون حسيب وصار لكل جهاز مصادر دخل خاصة سواء من احتكار رسوم المعابر أو تجارة الرمل والاسمنت والحصمة في غزة أو الوقود والاسمنت والكازينو في أريحا.

وكان لكل قائد جهاز نصيب من هذه الاحتكارات تحول إليه مباشرة وبالتالي فإن إزاحة أي قائد جهاز كانت تقابل بالاحتجاج من عناصره كما حدث عند إقالة موسى عرفات من قيادة الأمن حيث احتج عناصر الاستخبارات وما زالوا يرفضون دمجهم في جهاز الأمن الوطني.

وما حدث مع جبريل الرجوب عندما أقاله عرفات من منصبه وما حدث في المخابرات عندما أقيل أمين الهندي لكن الأخير انسحب بهدوء ولم يحاول تأليب عناصره ضد السلطة. ولم تحاول السلطة فتح أي ملف عن مصادر دخل كبار المسؤولين لأن ذلك يعني فتح مئات الملفات وإغراق الأراضي الفلسطينية في دوامة تطال الكثيرين ولهذا يجري فتح ملفات بانتقائية معينة نظراً لترهل حماية القانون والقضاء.

وحتى عمليات الاغتيال ومحاولات الاغتيال السابقة لم يجر فيها أي تحقيق جدي حتى الآن وأظن أن اغتيال عرفات سينسحب عليه هذا أيضا إلا إذا ظلت عائلته تلاحق القضية على عاتقها. لكن عائلة القدوة على عكس غيرها من العائلات لم تحاول حتى في حياة الرئيس الراحل عرفات استثمار وضعها في تولي مناصب رسمية أو تشكيل مركز قوة أو ميليشيا خاصة كما هو حال بعض العائلات في غزة.

فالسلطة الفلسطينية حتى الآن غير قادرة على إعادة هيكلة أجهزة الأمن ذراعها التنفيذية في فرض هيبتها، حيث إن أغلبية القضايا والمشاكل يكون الطرف المتهم فيها عناصر أمنية سواء تحت غطاء عائلي أو فصائلي أو فردي. وقد لبت السلطة تذمر العاملين في أجهزة الأمن ورفعت رواتبهم بنسب مختلفة وصلت إلى سبعين في المئة لتحسين ظروفهم المعيشية على أمل انضباطهم في أداء الواجب

لكن الزيادة التي جاءت قبل أيام قليلة من اغتيال اللواء عرفات وضعت أجهزة الأمن على المحك حيث وقع الهجوم على منزل اللواء عرفات بالقرب من ثكنات أمنية ومقر الأمن الوقائي وعلى بعد 300 متر من منزل الرئيس محمود عباس ولم يحاول أي من أجهزة الأمن التدخل مطلقا، وهذا يعني غياب القيادة العسكرية الواحدة لهذه الأجهزة رغم ما قيل عن توحيد الأجهزة الأمنية في ثلاثة أجهزة إلا أنها بقيت ثلاثين جهازا على ما يبدو.

رئيس تحرير مجلة «الحياة الجديدة» ـ فلسطين