يبدو أن الإنسان خلق لمواكبة الأزمات، والعيش مرغماً في بؤرها، سواء لأسباب اقتصادية أو اجتماعية وربما سياسية. يحمل الإنسان بذرتي الخير والشر في آن واحد، أليست هذه هي المعادلة الفلسفية الأبدية حول الصراع بين المتناقضات، الخير والشر، الحياة والموت، النور والظلام. لقد عبر الشاعر مظفر النواب، عن ذلك، بشكل جميل، حين قال في إحدى قصائده، إن الواحد منا يحمل في الداخل ضده.
تتكيف الظروف الذاتية للإنسان، رغم إرادته، مع الظروف الموضوعية، التي لا دور للفرد في صناعتها، إلا القليل، لأنها تنشأ بسبب قرارات تتخذها القوى الفاعلة في المجتمع. فالإنسان في كثير من الأحيان، مسّير وليس مخيراً، من هنا قد يصبح حملاً وديعاً مسالماً، من منطلق الإحساس بسهولة وعذوبة الحياة، أو قد يصبح وحشاً كاسراً، من منطلق الإحساس بصعوبة الحياة، وبالغبن والجور الذي يعانيه.
من طبيعة الإنسان، الرغبة في العيش بسلام، ورؤية الغلبة لبذرة الخير وجعل الجانب المظلم من سلوكياته، متوارياً في طيات النسيان. إلا أن هذه الطبيعة، قد تنقلب إلى الضد، في حالة شعوره بالظلم والغبن، فينقلب إلى وحش كاسر. من هنا تكون بداية التطرف، والتحول من النقيض إلى النقيض، وقد شغل موضوع، الإنسان المقهور، بال الفلاسفة القدماء في بلاد الإغريق والصين حيث أن هنالك دراسات عديدة تبين مدى اهتمام أولئك بدخيلة الإنسان ونوازعه،
ولم يغب هذا الموضوع عن بال الباحثين العرب، نذكر منهم دراسة الباحث مصطفى حجازي حول شخصية الإنسان المقهور. يخلق القهر والحرمان، إنساناً مقاتلاً، يجنح للعنف، ويرفض المعادلة السياسية والاقتصادية التي تضعه في هذه الزاوية على الضد من حالة الرفاه التي تصنع إنساناً مسالماً يميل إلى التهدئة، ويجعل الحوار البناء منهجاً في حياته.
القهر والحرمان، عبر التاريخ كانا مادة تناولها المبدعون، ووضعوها في صور شتى. فشكسبير في رائعته «روميو وجوليت»، وفي رائعته الأخرى «تاجر البندقية»، يرسم بشكل رائع صورتين لشخصيتين متناقضتين، الأولى شخصية الإنسان، العاشق روميو الذي يرى جمال الحياة في الحب، والثانية، شخصية الوحش، التاجر اليهودي الجشع شايلوك، الذي يرى جمال الحياة في الطغيان.
ويبدو أن الصراع بين نموذج روميو، الودود المحب، ونموذج تاجر البندقية الجشع، هي ملامح المرحلة الحالية، حيث تظهر الرأسمالية المتوحشة من جهة، مقابل أولئك الذين يحلمون بعالم تسوده قيم العدالة والمساواة، في دولة الرفاه، بعيداً عن التفريط في حقوق الإنسان.
فبين ذاك الإنسان المسحوق، في العالم الفقير، وبين ذلك الذي يحتار في اختيار أصناف الطعام، في العالم المتخم لدرجة السمنة القاتلة، هوة لا يمكن ردمها، إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية، التي أكدت عليها، الديانات السماوية، والقوانين الوضعية، وميثاق الأمم المتحدة فيما يتعلق بحقوق الإنسان.
وقد يكون الأثر مضاعفاً، على إنسان يعيش في مكان، يعتبر متوسط دخل الفرد فيه عالياً، كدولة الإمارات العربية المتحدة، وفي الوقت نفسه، ترى مظاهر البؤس والحرمان على الوجوه، فلا مدارس مثل تلك التي يعتقد أن من حق أبنائه دخولها ليحصلوا على حقهم في التعليم الذي أقرته جميع المواثيق الدولية، ولا سكن يليق به كإنسان يعيش في دولة تنتج نسبة غير بسيطة من الطاقة في العالم، ونسبة المواطنين فيها لا تكاد تبلغ 25%؟!.
في هذه اللحظة قلت لذلك الصديق المزعج، الذي ما انفك يناكدني كلما خلوت إلى أفكاري، مهلاً ماذا تريد أن تقول؟، قال: هل مازلت تعيش في الحلم القديم!!!.قلت مهلاً أيها الإنسان المزعج، لقد ارتحت منك طويلاً، فماذا تريد أن تضيف؟. فانبرى لي كالشيطان، شاهراً سيفه الذي يمتد من الماء إلى الماء، قائلاً: أيها الإنسان الحالم، ألم تتساءل: لماذا هذا الازدياد في الأسعار؟.
قلت: تساءلت، ماذا عنك، قال: هل يعقل في دولة النفط والرفاهية، ودولة يشار إليها بالبنان في التقدم والرقي، أن تصل الأسعار فيها إلى ما وصلت إليه؟ قلت له ومن دون مقدمات: ماذا تريد أن تقول؟، رفع رأسه عالياً وقال: هل يعقل في دولة نفطية أن يرتفع فيها سعر البترول من 75,4 دراهم إلى أكثر من ستة دراهم للجالون الواحد؟!!، أين الاستفادة من تجارب دول الجوار: دولة الكويت، المملكة العربية السعودية، سلطنة عمان، حتى أن البعض يفكر بالرحلة إلى البريمي لتعبئة البترول من هناك!!.
وهنا حاولت أن أفكر بعقلية اقتصادية، بالرغم من أنني بعيد جداً عن مجال الاقتصاد، و أطرح فكرة إنشاء شركة من القطاع العام، متخصصة في تكرير النفط، على غرار ما هو موجود، في المملكة العربية السعودية ودولة الكويت. عندها لن تكون تكلفة استخدام السيارات، هماً للإنسان المطحون، المواطن أو المقيم، ألم يحن الوقت لدول مجلس التعاون، أن تقدم مشروعاً يحول دون انتشار تذمر الإنسان الفقير؟ سؤال بحاجة إلى إجابة في ظل الارتفاع في أسعار كل شيء.
رئيس وحدة الدراسات والبحوث