لم يعد من المهم الآن الحديث عن عقد القمة العربية المؤجلة والاعداد الجيد لها بقدر التأكيد على ضرورة تفعيل الأداء العربى والمقررات التى سوف تتخذها هذه القمة؛ خاصة انها تجئ وسط تداعيات إقليمية ودولية بالغة الحساسية سواء في ما يتعلق بالتطورات التى يشهدها الملف العراقى او تلك الآخذة في التصاعد على الصعيد الفلسطينى مع قرب الانسحاب العسكرى الاسرائيلى من غزة الذى من المقرر ان ينتهى خلال اليومين القادمين حسبما اعلن الجيش الاسرائيلى.

ولعل تصريحات سعادة الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير الخارجية في القاهرة بالامس جاءت لتمس هذا الجانب وتؤكد عليه بشكل حاسم لا يقبل اى جدل حيث قال سعادته في تصريحات للصحفيين (انا اعتقد اننا الان نتجاوز موضوع الاعداد الجيد للقمة الى ما سوف نطرحه وما هى الاجراءات التى سنتخذها؛ مؤكدا عدم المعارضة لعقد القمة؛ ولكن نامل ان يكون فيها نوع من الانجاز؛ مشيرا سعادته الى أن هناك قضايا كثيرة تحتاج من القادة العرب اتخاذ قرارات والالتزام بها واذا كانت النية موجودة اعتقد ان القمة ضرورية).

ففى ظل حالة (الاختناق) التى يعيشها الشارع العربى و(تراجع الثقة) في دبلوماسية القمم العربية التى افرزتها حالات العجز المصاحبة للقرارات الصادرة عن هذه القمم على مدى السنوات الماضية ؛ يصبح من الضرورى جدا اليوم ونحن نتهيا لقمة جديدة التأكيد على ان نجاح القمة سيكون مرهونا بمدى التفعيل والالتزام بما يصدر عنها من قرارات وتوصيات؛ تجنبا لتفجر مزيد من براكين الغضب في الشارع العربى؛ ومنعا لتكريس حالة الاختناق التى اصابت اجيالا عديدة بخيبة امل كبرى في قياداتها على مدى عقود طويلة.

فالواقع يقول ان اجيالنا العربية لم تجن من وراء قرارات وتوصيات هذه القمم شيئا يذكر تم تفعيله على مستوى الشارع العربى؛ خاصة في مجال تفعيل اتفاقية السوق العربية المشتركة التى مازالت حبرا على ورق، ناهيك عن حرية التنقل التى يتطلع إليها ملايين العرب بين عواصمهم العربية اسوة بما يجرى في دول الاتحاد الأوروبي اليوم؛ فضلاً عن الاخفاق المتواصل للقمم العربية في التعامل مع قضايانا المصيرية وحسمها؛وبالاخص القضية الفلسطينية التى اسهم العجز العربى-بكل اسف - بقدرليس بالهين من تداعياتها التى نعيشها اليوم، ثم جاءت قضية غزو العراق ومحاولات تمزيقه وعزله عن محيطه واسرته العربية لتشكل هما جديدا للعمل العربي المشترك وتتصدرجداول اعمال القمم العربية مؤخرا ومن قبلها غزو العراق لدولة الكويت الذى أحدث شرخا عميقا في الجدار العربى وجرحا غائرا لم يتحمله الجسد العربي المثقل بآلامه وهمومه المتراكمة ؛واثبتت القمم العربية فشلها في احتوائه داخل الاسرة العربية وكان ما كان من تدخلات عسكرية اجنبية.

امام القمة العربية القادمة التى تحدد عقدها بعد شهر رمضان المبارك تحديات كبيرة تتعاظم كل يوم في ظل ما يجرى بالعراق ؛وما بعد اخلاء غزة والتطلع لتنفيذ خطة خريطة الطريق لاقامة الدولة الفلسطينية، فضلا عن سبل مواجهة الارهاب الذى راح يخيم شبحه على دول المنطقة ويهدد امنها واقتصادياتها؛ وهى تحديات نحسب انها تحتاج الى قدر كبير من المكاشفة واخلاص النوايا في المناقشات؛ وصولا الى قرارات حاسمة وتوصيات مؤثرة تحفظ للعراق لحمته وعروبته وتعيده عضوا فاعلاً في اسرته العربية؛ وتجبر إسرائيل على تنفيذ استحقاقاتها والتزاماتها والكف عن مراوغاتها في ما يتعلق ببقية الانسحابات واعلان الدولة الفلسطينية. اضافة الى تفعيل السياسات والاتفاقات لاجتثاث الارهاب من جذوره؛ وازاحة شبحه البغيض من سماواتنا العربية حماية لاقتصادياتنا وصونا لأجيالنا القادمة.. نتطلع الى القمة القادمة ان تكون على عكس القمم السابقة؛ فتعيد الهيبة والوقار للعمل العربى المشترك ؛وتحرر الشارع العربى من (كابوس اليأس) الجاثم فوق صدور الملايين من ابنائه؛ وتؤكد للعالم اننا امة لم تفقد دورها الفاعل في الأسرة الدولية.