منذ أن تورّط قابيل بجثمان هابيل فأرسل الله الغراب ليدلّه على طريقة التخلّص من الجثة، منذ ذلك اليوم وابن آدم يقلّد الحيوان ويستفيد منه في الصفات والحركات والأشكال وآليات العمل بما يفيده غالباً، وبما يضرّه أحياناً، وهكذا شأن المعلّم: نفعه أكبر من ضرره.

لا أعني الاستفادة من لحم الحيوان وجلده وعظمه وباقي أعضائه، لكنني أتحدث عن أستاذية الحيوان. وقد يقول أحد المدافعين عن الإنسان أن الحيوان ربما هو الذي تعلّم من الإنسان، لكنه رأي يؤدي بصاحبه إلى مستشفى المجانين.

في تقليدنا حركات الحيوان نجد أن العوم جاء من البطّ، والغوص من السمك، والتجديف من السلحفاة، وحركات المهرّج نسخة مطوّرة مدفوعة الثمن من حركات القرد، ولاعب الباليه المائي يقلّد الدولفين، والعروض الجوية أساسها أسراب الطيور، والجندي في الحرب يموّه كالحرباء، والحارس الشخصي يقلّد الشامبانزي، والبنت المراهقة تروح وتغدو بين الناس كالظبي، والعروس تتبختر مثل الطّاووس.

إذا أتينا إلى الأشكال، فالدبابة كأنها فيل، والرافعة تشبه الزّرافة، والشاحنة كأنها أم أربع وأربعين رجل، والقطار الكهربائي يشبه الثعبان، واليخت حوتٌ من صنع الإنسان، والزورق السريع قرشٌ خطير، والشوكة على المائدة كمخالب الأسد أمام الفريسة، والكمّاشة كأنها فم تمساح، واللّحى التي تنبت في الذقن فقط تشبه لحى التيوس.

أما في الصفات، فطيبة الإنسان مستوحاة من طيبة المعزة، ووفاؤه من الكلب، ونشاطه من النحل، وتعاونه من النمل، وسعيه من العصفور، وتحمّله من البعير، أما مكره فمن الثعلب، وحماقته من الحمار، وعناده من البغل، وغضبه من الديك، ولؤمه من الضبع، وفضوله من الذباب، وانتهازيته من الغراب، ولا مبالاته من النّعام.

أنظر أخيراً إلى الاستفادة من آليات عمل الحيوان فيما اخترعه الإنسان من آلات ومعدات سهّلت حياته ومهّدت لحضارته، هنا يستحق الحيوان لا أرسطو أن يوصف بالمعلم الأول: أليس هيكل السيارة كجسم الحصان؟ فإطاراتها الأربعة كأنها أرجل الدّواب في طريقة عملها ومكانها من الجسم، والطّائرة كأنها طير: منقار وجناحان وذيل.

والأبراج السكنية صورة مكبّرة من خلية النحل، والأرنب أفاد في حفر الأنفاق، ونقّار الخشب دلّ على إمكانية اختراع آلة الثقب، والعنكبوت وضع أساس اختراع النسج وألهم الصيادين اختراع الشباك. أما الكنغر فهو في الحيوانات كأديسون بين الناس،

فقد أرشد إلى صنع الحقيبة وعربة نقل الأطفال والكيس القطني الذي تعلقه النساء لحمل أطفالهن أثناء العمل. لكن هذا كلّه لا يقللّ من شأن الإنسان، لأن تقليده أو تعلّمه من الحيوان يدخل ضمن التسخير، وفي المقابل، يفترض على بني آدم، من باب ردّ الجميل، أن يحسن معاملة معلمه الحيوان وأن يقوم له ويوفّه التبجيلا.

ahmed_amiri@hotmail.com