أمام الشعب المصري الشقيق طريق طويل للوصول إلى الديمقراطية الكاملة الناضجة. فانتهاء عملية انتخاب الرئيس ليست سوى مؤشر لبدء مرحلة تالية من النضال السلمي على طريق الديمقراطية. في سياق التطورات المتلاحقة منذ فوران الشارع قبل بضعة شهور يبرز بصورة خاصة الصراع بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية كأهم معلم.

وقد اتخذ هذا الصراع في أحدث مراحله شكلاً درامياً جعله أقرب إلى الصدام بما يعيد إلى أذهان المراقبين مدى السطوة الغالبة للسلطة التنفيذية في بلدان العالم الثالث بوجه عام خاصة إذا كانت ذات طبيعة شمولية.لقد تحدت اللجنة العليا للانتخابات في مصر السلطة القضائية برفضها الالتزام بحكم صدر عن محكمة القضاء الإداري يسمح لجمعيات حقوق الإنسان المحلية بالمشاركة المباشرة في مراقبة سير عمليات الاقتراع.

هنا نشأت معضلة. فبينما تتولى المحاكم دور إصدار الأحكام القضائية فإن السلطة التنفيذية تنفرد بتملك أدوات تنفيذ الأحكام. وإذا رفضت استخدام هذه الأدوات حيال حكم قضائي ما فإن الجهاز القضائي يقع في حرج. هذه هي المعضلة العظمى في بلدان العالم الثالث: السلطة التنفيذية ـ بالمقارنة مع السلطتين القضائية والتشريعية ـ هي وحدها التي لها أسنان..

وإذا شاءت فإنها تستطيع أن تعض. ولذا فإنها عند نهاية المطاف تملك قوة الحسم النهائي لأي جدل ينشأ بينها وبين أي من السلطتين الأخريين.. خاصة إذا كان الحزب الحاكم يتمتع بهيمنة في البرلمان أيضاً كما هو الحال في غالبية بلدان العالم الثالث. خلال عقد الستينات نشأ موقف حرج مماثل في السودان عندما رفضت الحكومة تنفيذ قرار قضائي يتعلق بالحزب الشيوعي السوداني.

كان الحكم يقضي بعدم دستورية قرار تبنته الأغلبية الحكومية في البرلمان بحظر الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين.وما حصل على الصعيد العملي كان غريباً حقاً. فقد كانت الشرطة تفض بالقوة أي اجتماع جماهيري ينظمه الحزب على أساس أنه حزب «محظور». وعندما تقدم الشرطة منظمي الاجتماع إلى المحكمة فإن القاضي يأمر بتبرئتهم باعتبار أن الحزب تنظيم شرعي!

لكن جبروت السلطة التنفيذية في العالم الثالث ينبغي مع ذلك ألا يكون عامل تخذيل للنضال السلمي من أجل الديمقراطية الناضجة الكاملة. ويبدو أن نهاية العملية الانتخابية الرئاسية في مصر ستكون إيذاناً بمرحلة تالية لاستئناف النضال السلمي. فسوف تقدم أمام المحاكم طعون قانونية في العملية الانتخابية نفسها مثلاً.

وإجمالاً فإن الهدف الأكبر من وراء هذا النضال السلمي هو بالطبع تحجيم قوة السلطة التنفيذية.وعلى هذا النحو فإن مثل هذا النضال السلمي لا يمكن أن يحقق هدفه خلال أسابيع أو شهور. فينبغي ألا ننسى أن السلطة التنفيذية في العالم الثالث بأدواتها الاقتصادية والأمنية والإعلامية تمثل مصالح طبقة عليا على أعلى درجة من الشراسة.