لا يمكن اعتبار لقاء اسطنبول بين وزير الخارجية الإسرائيلي سلفان شالوم ووزير الخارجية الباكستاني خورشيد قصوري إلا خطوة تاريخية بكل المقاييس، حيث يمثل اختراقاً إسرائيلياً استراتيجياً لسياج اعتُبر منيعاً حتى الأمس القريب، لما تمثله باكستان من وزن في الساحة الإسلامية، سواء من الناحية الجيوسياسية أو ارتباطاً بالقضية الفلسطينية، ناهيك عن كونها قوة نووية لا يُستهان بها خصوصاً انها تقع في خاصرة الدب الروسي وأطرافه الممتدة في العمق الآسيوي.

قد لا يختلف اثنان على أبعاد هذا اللقاء، الذي يصب في المقام الأول في مصلحة الدولة العبرية ومن خلفها الولايات المتحدة، التي تخوض معركة ضارية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحت عنوان «الملف النووي الإيراني»، والتي تمكّنت بفضل هذا اللقاء من تشكيل الضلع الثالث من المثلث النووي الإسرائيلي ـ الهندي ـ الباكستاني، سيما وأن هذه البلدان الثلاثة تملك علاقات استراتيجية قوية مع الإدارات الأميركية المتعاقبة،

ما يعني أن هذا الاختراق الإسرائيلي الناجز، ستليه اختراقات أخرى وعلى أكثر من صعيد أو منطقة في الكرة الأرضية.لكن اللافت في هذا اللقاء هو أنه جاء بمباركة فلسطينية مسبقة وذلك حتى قبل اكتمال الانسحاب الإسرائيلي الشكلي من قطاع غزة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الخطوة الباكستانية ما هي إلا إحدى أولى الثمار التي بدأ يقطفها رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في سياق المكافأة التي استحقها، برأي الكثيرين،

بعد تنفيذ عملية إخلاء مستوطنات غزة بنجاح، لكن ألا تستحق مسألة الانسحاب هذه عناء التفكير ملياً من جانب من يملكون القرار ولو جزئياً، وذلك قبل أن يدفعوا ثمن بضاعة كاسدة أصلاً، حيث لا بد من التفريق بين ثلاثة مستويات من الانسحاب المتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة عموماً وبأراضي القطاع على وجه الخصوص، لما يمثله ذلك من تجربة أولى على هذا الصعيد.

ما تم تنفيذه حتى الآن في قطاع غزة لا يعدو كونه إخلاء للمستوطنات الموجودة هناك قسراً ومن غير وجه حق، على غرار كامل الوجود الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية المحتلة على دفعات، والخطوة التالية والتي ينتظرها الجميع هي انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من داخل أراضي القطاع المحتلة، ليعيد انتشاره حول تلك الأراضي كما المعصم في اليد، حيث لا يمكن اعتبار الترتيبات الأمنية على الحدود المصرية ـ الفلسطينية إلا استكمالاً للترتيبات الأمنية الإسرائيلية عموماً، إن لم نقل إنها ستكون أشد وطأة.

أما المستوى الثالث من الانسحاب، والذي يمكن أن يُطلق عليه انسحاباً حقيقياً، فإنه يشمل المستوى الأول، أي الإخلاء، والمستوى الثاني، أي انسحاب القوات، مضافاً إليهما نزع ذلك الطوق عن المعصم ورفع تلك العصا الغليظة والتعامل مع الأمر وفقاً لما يمثله من قضية سياسية من الدرجة الأولى، جوهرها قائم على اغتصاب الأرض والإنسان معاً.

ولا يكفي في هذا السياق التعامل بصورة إيجابية مع قضايا جزئية بالغ فيها الجانب الإسرائيلي إلى حد الجنون وجعل كل قضية منها قضية كبرى يجب أن يفرد لها عملية سلمية بحد ذاتها، على غرار قضية معبر رفح وقضية ميناء غزة وقضية مطار غزة وقضية نشر حرس الحدود المصريين على الجانب المصري من رفح.

المسألة لا تتعلق بالروح الوطنية، التي أصبح الحديث عنها ترفاً في غير مكانه، حسب رأي الكثيرين أيضاً، لكنها مرتبطة بشكل وثيق بالقدرة على إدارة اللعبة السياسية، التي باتت قريبة في شكلها وربما في مضمونها كذلك من الصفقة التجارية، أي صفقة تجارية، التي يحكمها مبدأ العرض والطلب والربح والخسارة.