عودتنا الانقلابات العسكرية على ثقافة الإقصاء والانتقام والتخلص من الآخر للسطو على السلطة والاستيلاء على الحكم. الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل الانقلاب في موريتانيا كانت تبعث على التشاؤم وعلى تدهور الأوضاع وكانت تشير إلى نشوب أزمة في أي وقت. الحكم كان مستبداً والرأي العام مغّيباً ومهّمشاً، والحريات مفقودة تماما.

أما ظروف المعيشة فحدث ولا حرج. فالبلد كان بحاجة إلى متنفس، إلى تغيير، إلى تحرير الطاقات وإعطاء الفرصة للمجتمع المدني وللقوى المختلفة في المجتمع للمشاركة في الحياة السياسية وفي عملية التنمية الشاملة. موريتانيا كانت تعاني من فجوة كبيرة جدا بين القمة والقاعدة، بين الحاكم والمحكوم. وحتى القرارات كانت بعيدة عن إرادة الشعب وعن الرأي العام.

على سبيل المثال وليس الحصر إن عملية إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني كانت مناقضة تماما لإرادة الشعب والرأي العام، والدليل على ذلك أن حشودا كبيرة من الموريتانيين خرجت تتظاهر في الشوارع استنكارا للقرار، ورغم ذلك استقر الرئيس معاوية ولد الطايع على قراره ضاربا عرض الحائط رفض ملايين الموريتانيين أي علاقة مع إسرائيل.

يبدو أن الانقلاب الذي حدث في موريتانيا في الثالث من أغسطس الماضي انقلاب ليس كسابقيه، بل كان انقلاباً مغايراً تماماً، والهدف منه لم يكن السطو على السلطة وكرسي الرئاسة لمدة غير محددة أو لمدى الحياة، بل الهدف كان عكس قراءات وتحليلات العديد من المحللين السياسيين الذين كانوا يرون أن الانقلاب جاء لينحي رئيسا وينصب رئيساً آخر بدلاً منه بدون المرور بصندوق الاختراع ولا بالرجوع إلى إرادة الشعب .

مدبرو الانقلاب وعلى رأسهم رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية علي ولد محمد فال الذي أعلن في خطاب للشعب الموريتاني وللرأي العام العالمي عن عفو شامل عن السجناء الموريتانيين المدانين في جرائم سياسية، كما أعلن عن الإفراج عن 32 معتقلا متهمين بالمشاركة في محاولة انقلابية ضد الرئيس السابق معاوية ولد الطايع في يونيو عام 2003 وعلى رأسهم الرائد صالح ولد حننا.

وفي نفس الخطاب أعلن فال أن العفو يهدف إلى نشر ثقافة العفو والتسامح والتلاحم، والوئام بهدف تمكين الشعب الموريتاني من اختيار الرجل المناسب ليحكم البلاد، وكذلك المساهمة في بناء الوطن. كما أعلن فال عدم ترشحه شخصياً وكذلك عدم ترشح أعضاء المجلس العسكري الحاكم في الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة في موريتانيا والمتوقع تنظيمها في غضون سنتين.

الأمور إذن اتضحت، بعد تخوف الجميع سواء داخل موريتانيا أو خارجها، بأن التاريخ يعيد نفسه، وقد ذهب دكتاتور وجاء دكتاتور آخر وأن مدبري الانقلاب يهدفون إلى الاستيلاء على السلطة لا غير من أجل تحقيق أهداف شخصية ضيقة. الأمور اتضحت إذن وأن النية صادقة والأهداف واضحة. الفريق الذي دبّر الانقلاب في موريتانيا يهدف إلى التغيير ويهدف إلى إشراك الشعب في الحياة السياسية وفي صناعة القرار وتحديد مسار حياته.

التاريخ إذن لا يعيد نفسه دائماً، ورياح جديدة تهب على نواكشوط هذه الأيام بهدف التغيير، وبهدف احترام شرعية الشعب وإرادة الشعب. ظروف موريتانيا قبل الانقلاب كانت تنبئ وتشير إلى ضرورة التغيير والحاجة إلى تنقية الأجواء واحترام إرادة الشعب. فالشارع الموريتاني كان غير راض عن الحكام والحكم في البلاد. الممارسة السياسية كانت ملوثة وصناعة القرار كانت انفرادية لا تقوم على المشورة والديمقراطية ومراعاة الرأي العام.

موريتانيا قبل انقلاب 3 أغسطس الماضي كانت تعيش اختناقاً سياسياً. سجناء الرأي تزوير في الانتخابات، إقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، قمع المعارضة وتهميش الرأي العام. كما أعتقل النظام السابق عدداً من كبار العلماء المسلمين وكذلك السيد محمد ولد هيد الله المنافس السابق للرئيس المخلوع، وعدد من المعارضين.

الشعب الموريتاني بارك الانقلاب والقوى السياسية في البلاد أيدت مسعى «المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية» وحتى حزب الرئيس السابق والقوى الموالية له رحبت بالتغيير وبالفريق الجديد الذي ينوي إحداث التغيير في البلاد واحترام سلطة وشرعية الشعب الموريتاني. المعطيات كلها تشير إلى أن جامعة الدول العربية والدول العربية والمنظومة الدولية ستعترف بالمجلس العسكري للعدالة والديمقراطية وستحترم بذلك إرادة الشعب الموريتاني.

موريتانيا أمام مرحلة حاسمة في تاريخها الحديث، مرحلة التغيير نحو الأفضل، مرحلة احترام الحريات الفردية وحقوق الإنسان والتداول على السلطة ومرحلة احترام إرادة الشعب. المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية كشف أوراقه وصرح علناً أن النية ليست التخلص من دكتاتور لتنصيب دكتاتور آخر. فالانقلاب الأبيض في موريتانيا جاء ليعبر عن انشغالات وهموم ومشاكل الشعب الموريتاني ولم يأت لينصب حفنة من العسكريين لمواصلة النهب، والسيطرة على أملاك الشعب ومصادرة حريته وإرادته.

الانقلاب جاء في الوقت المناسب لتحرير الطاقات وتكريس الحريات وإعطاء الفرصة للأحزاب السياسية والمجتمع المدني في موريتانيا للمساهمة في الحياة السياسية وصناعة القرار والمساهمة في التنمية المستدامة وبناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية وسليمة تحترم قواعد الممارسة الديمقراطية واحترام الرأي والرأي الآخر ومبدأ التناوب على السلطة.

مبادرة المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية تفتح المجال أمام موريتانيا لتوديع عهد الانقلابات العسكرية وسنوات الاختناق السياسي وغياب الحريات، والديمقراطية والحياة السياسية. فمنذ استقلالها في سنة 1960 لم تنعم موريتانيا بحياة سياسية ديمقراطية تحترم فيها إرادة الشعب وكلمته. هل هي مرحلة جديدة وعهد جديد؟ المجلس العسكري للعدالة.

والديمقراطية حدد عامين لتحضير الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة والتي تكون مفتوحة أمام كل الفعاليات السياسية في البلاد والتي كذلك تكون شفافة ونزيهة. تحديات كبيرة جدا تنتظر موريتانيا لكسب رهان التغيير ومعركة الديمقراطية والشرعية الشعبية.

القيادة الجديدة في موريتانيا عبّرت عن نيتها الصادقة وأعلنت منذ الوهلة الأولى و منذ البداية أن المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية لا يحق له الترشيح والاطلاع إلى مناصب سياسية عليا سواء في الرئاسة أو البرلمان. هل ستدشن موريتانيا عهدا جديدا، عهد الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات الفردية؟

الشهور والسنوات المقبلة هي وحدها الكفيلة بالإجابة على هذا السؤال. شروط النجاح وكسب الرهان متوفرة والكرة الآن في ملعب الأحزاب السياسية والشعب الموريتاني لتحمل المسؤولية والقيام بالواجب، فالحرية تؤخذ ولا تعطى، والديمقراطية ثقافة وسلوك وحضارة.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة