اجتمعت كارثة الإعصار كاترينا الذي اجتاح بعض الولايات الجنوبية الأميركية مع كارثة التدافع الشيعي على جسر الأئمة في العراق هذا الأسبوع لتكشف كيف أن الفقراء هم في كل مكان وزمان ضحايا للسياسات والأيديولوجيات المختلفة. فما حدث في أميركا دفع ثمنه ملايين الفقراء من السود والعمال المهاجرين، وما حدث في العراق دفع ثمنه مئات الفقراء من الشيعة من أجل زيارة قبر الإمام موسي الكاظم في وقت تجتاح فيه التفجيرات العراق في كل مكان.
جاءت الخسائر الناجمة عن إعصار كاترينا الذي اجتاح مدينة نيوأورليانز وولايتي الميسيسيبي وألاباما خارج كل التوقعات؛ فقد تسبب الإعصار في خسائر مادية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، كما تسبب في الآلاف من القتلى حتى الآن، إضافة إلى ملايين المشردين الذين فقدوا منازلهم وأغراضهم.
ولعل ما تعرضت له مدينة نيوأورليانز التابعة لولاية لويزيانا قد فاق كل التوقعات المتشائمة، حيث غمرت المياه 80% من المدينة، كما تعرضت لاجتياح شامل وواسع النطاق مثلها في ذلك مثل العديد من المدن في ولايتي الميسيسيبي وألاباما الجنوبيتين، الأمر الذي أدى إلى كنس مناطق سكنية بأكملها وتدميرها، وغمر الكباري والطرق بالمياه، إضافة إلى تصدع العديد من السدود وانهيارها.
اللافت للنظر هنا أن العديد من المناطق المنكوبة نتيجة اجتياح الإعصار يقطنها السود بالإضافة إلى العديد من العمال المهاجرين؛ حيث تبلغ نسبة السود في مدينة نيوأورليانز فقط 3,67% من إجمالي عدد السكان الذي يتجاوز المليون نسمة، يعيش 30% منهم في فقر مدقع. ولعل هذا ما يفسر ارتفاع عدد ضحايا الإعصار كاترينا، حيث يدفع الفقراء دائما ثمن الكوارث الطبيعية.
ورغم ضخامة الخسائر المادية التي قدرت بالعشرات من مليارات الدولارات، فإن اللافت للنظر هنا هو حجم الخسائر البشرية الهائلة، وما ارتبط بذلك من صعوبة انتشال الجثث حتى الآن. ففي دولة بمثل حجم أميركا والإمكانيات الهائلة التي تمتلكها كان من الممكن القيام بعملية إخلاء شاملة للسكان في المناطق المهددة بضرب الإعصار، خصوصا في ضوء الإحصائيات التي بينت أن أكثر من 000، 100 من سكان نيوأورليانز لا يمتلكون وسيلة انتقال تمكنهم من مغادرة المدينة،
وهو الأمر الذي يفسر الأعداد الكبيرة من القتلى في المدينة. كان من الطبيعي في ظل ضخامة أعداد الضحايا، وتأخر السلطات الاتحادية في توفير المساعدات العاجلة لمئات الآلاف من المحاصرين والمشردين والجائعين، أن تلقي المسألة العرقية بظلالها على الكارثة برمتها، آخذين في الاعتبار أن معظم سكان المدن المتضررين من جراء الإعصار هم ممن كانوا ضد الرئيس بوش في حملته الانتخابية.
قيل من ضمن ما قيل أن سلوك الإدارة الأميركية تجاه المتضررين من أحداث سبتمبر 2001 كان سريعا ولافتا للنظر مقارنة بما يحدث الآن، على الرغم من صعوبة المقارنة بين الخسائر الناجمة عن الحدثين. وقيل أيضا أن هذه الكارثة لو أصابت البيض لوصلتهم المعونات بشكل عاجل وسريع مقارنة بما يحدث الآن. وبالطبع لم يختف العراق من المشهد، فالاتهامات وجهت لإدارة بوش بأنه يهتم بالسياسة الخارجية على حساب الكوارث الداخلية.
كما قيل أيضا أن الإعلام الأميركي لم يكن محايدا تجاه الكارثة، فحيثما طالعتنا أعمال السلب والنهب كان السود في مقدمة الصورة، بينما البيض في أغلب الأحوال يبحثون عن الطعام وهم جائعون ومنهكون. ورغم إنكار الكثيرين بوجود مؤامرة ضد السود والمهاجرين والفقراء، فإن واقع الحال يشير إلى الكثير من التقاعس وعدم الاهتمام بهؤلاء الضحايا، وهو الأمر الذي أدى إلى تدني شعبية الرئيس الأميركي المتدنية أصلا.
وبعيدا عن كارثة كاترينا الطبيعية التي امتزجت السياسة فيها بالأعراق والأقليات والمصالح الرئاسية، فإن مأساة جسر الأئمة كانت أكثر تعقيدا في ملابساتها. فنحن أمام مشهد ديني يملأ الفقراء أرجاءه، مدفوعين بمشاعرهم الدينية المتوهجة، ونوازعهم الإيمانية، في ظل الواقع العراقي المفتوح على مصراعيه على أحداث القتل والتدمير كل ساعة وكل لحظة.
ربما كان مشهد هذه الحشود المتوجهة إلى ضريح الإمام الكاظم هو المعادل الموضوعي للفرار من المشهد العراقي الدموي، ربما كان هذا المشهد هو التعويض عن هموم الحياة اليومية ومشكلاتها واندفاعاتها غير المأمونة العواقب، لكن الأمر في النهاية أوصل إلى كارثة غير مسبوقة ومشهد مفعم بالموت. وفي هذا السياق، لا يمكن للمرء أن ينسي مشهد البلدوزر الذي تناقلته وسائل الإعلام المختلفة وهو يجرف آلاف الأحذية والنعال لهؤلاء الفقراء الذين قتلوا إما غرقا أو دهسا أو استطاعوا الفرار.
وكما كان الحال مع كاترينا، صب الجميع في هذه الحالة اللوم على الشرطة والجيش، وبعض المرجعيات الدينية. فالجميع قد اهتم بالاحتفال ربما من أجل مكاسب سياسية معينة، وربما من أجل التواصل مع المشاعر الدينية الشيعية. لكن لم يضع أحد في اعتباره المخاطر التي قد تنجم عن هذه الحشود الهائلة التي يصعب السيطرة عليها في الأحوال العادية، فما بالنا في ظل الظروف التي يواجهها العراق الآن.
لقد دفع الفقراء المؤمنون الثمن باهظا في ظل الحسابات السياسية والدينية المختلفة والمعقدة في آن واحد، وهو الأمر الذي استدعى ضرورة طرح العديد من الأسئلة المختلفة المهمة من مثل: لماذا لم تستطع قوات الشرطة والجيش توفير سبل الأمن والأمان للمحتفلين بذكرى الإمام الكاظم؟ ولماذا لم تقم المرجعيات الدينية بدورها في إصدار فتوى بمنع هذه المسيرات الشعبية الدينية في ضوء الظروف التي يمر بها العراق الآن؟
ولماذا لم تقم هذه المرجعيات ذاتها عبر أتباعهم العديدين بتأمين هذه الاحتفالات والمسيرات وضمان عدم حدوث مثل هذه الكوارث؟ في الكارثتين دفع الفقراء ثمن التوجهات السياسية والأيديولوجية والدينية المختلفة، وفي الحالتين يتحمل الساسة ورجال الدين قدراً كبيرا من مسؤولية ما حدث. في إعصار كاترينا يتحمل الرئيس بوش وإدارته مسؤولية عدم ترميم السدود المحيطة بنيوأورليانز، كما يتحمل مسؤولية إجلاء السكان قبل قدوم الإعصار، وتوفير المؤن المختلفة لمن تضرروا منه.
وفي كارثة جسر الأئمة تتحمل الحكومة مسؤولية توفير الحماية والأمن للمشاركين في ذكرى الإمام، كما تتحمل المرجعيات الدينية مسؤولية وقف هذه المسيرات الجماهيرية، مهما كانت أهمية الاحتفال وضرورته بالنسبة للشيعة، حتى يخيم الهدوء على العراق، أو على الأقل يتحملون مسألة تأمين هذه الاحتفالات لأتباعهم ومريديهم. وحتى يتحمل الجميع مسؤولياته على جميع الأصعدة السياسية والدينية يستمر الفقراء في دفع الثمن من الضحايا والجثث المتناثرة إما تحت البيوت المنكوبة في نيوأورليانز أو على ضفاف جسر الأئمة!!
كاتب مصري ـ جامعة الإمارات