بدأ وزير الدفاع دونالد رامسفيلد مؤخراً جولة تلفيقية أخرى معلناً للأميركيين بأننا سننتصر في العراق مهما كلف الأمر. والرئيس جورج بوش مازال ثابتاً على نهجه في إكمال الطريق حتى النهاية، ومازال يتنبأ بالنصر. لكن ما هو رأي الضباط الذين يخوضون هذه الحرب في أسوأ أجزاء العراق؟ هل مازالوا يعتقدون بأن النصر ممكن؟

زميلي توم لاسيتر في وكالة «نايت ريدر» الإخبارية أمضى أخيراً ثلاثة أسابيع مع وحدات من الجيش ومشاة المارينز في محافظة الأنبار، قلب المقاومة العربية السنية للقوات الأميركية التي تحتل العراق، وبؤرة التمرد المحلي الذي يستهدف الأميركيين والعراقيين الذين يتعاونون مع أي من المذكورين أعلاه.وإذا قرأت مقالات لا ستير، ستسمع أصوات قادة ميدانيين شجعان من أمثال الكولونيل ستيفن ديفيس، الذي يقود 5 آلاف عنصر من مشاة المارينز في حرب استنزاف لا نهاية لها.

ويقول ديفيس: «لا أفكر في هذه الحرب من منظور النصر. وهو يتوقع استمرار الحرب لسنوات. ولقد أصابت قنابل مزروعة على جانب الطريق مركبات كان يستغلها ديفيس ثلاث مرات إلى الآن هذا العام. ولقد قاتل المتمردون في الأنبار الأميركيين حتى وصلوا معهم إلى طريق مسدود، وأثبتوا أنهم سريعون جداً في تبني طرق جديدة لقتل الأميركيين عندما تصبح الطرق القديمة غير مجدية.

والمدينتان الرئيسيتان في المحافظة هما الفلوجة والرمادي اللتان تعرضتا لهجوم من قبل عدد كبير من القوات الأميركية السنة الماضية ولم تسقطا إلا في هجوم ضخم بعد انتخابات نوفمبر الماضي. وسقط في هذه المعارك مئات الأميركيين بين قتيل وجريح وأعداد أكبر من العراقيين. وتم تدمير الفلوجة عن بكرة أبيها تقريباً بالقصف المدفعي والجوي الأميركي. لكن المفاجأة أنه حتى بعد أن أنفقنا 225 مليون دولار لإعادة بناء الفلوجة عاد المتمردون مجدداً ليندسوا بين المدنيين العائدين إلى منازلهم.

أما بالنسبة للبلدات والمدن الصغيرة في الأنبار فإن أقصى ما يمكن أن يفعله الأميركيون هو شن عمليات هجومية خاطفة لاستهداف المقاتلين وإجبارهم على الفرار. ثم بعد ذلك يغادر الجنود الأميركيون، ويعود المتمردون والمقاتلون الأجانب إلى حيث كانوا. وقال ضباط أميركيون في حديثهم مع لاستير بأنهم لا يملكون عدداً كافياً من الجنود للسيطرة على هذه الأمكنة والاحتفاظ بها، والقوات العراقية غير مؤهلة لمثل هذه المهام.

ويقول الكولونيل تيم موندي، قائلاً الكتيبة الثالثة في فرقة مشاة البحرية الثانية: «ليس هناك فائدة عسكرية تذكر من إخراج هؤلاء من تلك المناطق ومن ثم تركهم يعودون إليها بعد خروجنا منها».وهذا يعني باختصار أننا نكسب الحرب في المناطق الكردية الشمالية والمناطق الشيعية الجنوبية، لكننا نخسر الحرب حيث هناك حرب، في محافظة الأنبار، قلب المناطق السنية.

هنا يسقط قتلى وجرحى أميركيون كل يوم بالعبوات الناسفة المزروعة وقذائف الـ «آر بي جيه» والقنابل المصنوعة يدوياً التي تلقى من نوافذ الطوابق العليا وبنيران القناصة المعادين. وتسيير دوريات أمنية في هذه الأماكن بات عملاً مميتاً. أتذكرون الأنباء في وقت سابق من هذا الصيف عن مقتل 20 جندياً من مشاة البحرية خلال يومين فقط؟ كان ذلك في الأنبار. وخلاصة القول فإننا لا نكسب الحرب في العراق ولا نستطيع أن نكسبها بالثبات على النهج نفسه.

إنها حرب ضد تمرد مسلح، ليس من الآن بل منذ مطلع صيف 2003 ـ وهو الأمر الذي فاجأ قادتنا المدنيين. فهم لم يخططوا لمثل هذه الحرب، ولم يزودوا الكولونيل ديفيس وكل الجنود الشجعان الذين أرسلوهم إلى هناك بما يكفي من القوات أو التجهيزات المناسبة أو حتى باستراتيجية للنصر.

الانتصار الوحيد الذي يمكن أن يتحقق في العراق لن يكون انتصارنا نحن فالأمر متروك للشعب العراقي ـ كل الشعب العراقي ـ لكي يتوصل إلى حل سياسي ويبني حكومة أو يواجه حرباً أهلية فظيعة يروي فيها أرض العراق بدماء جيل آخر.الرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد يقولان إنه لا يمكن ولا ينبغي للولايات المتحدة أن تتعجل بمغادرة العراق، وأن من شأن ذلك أن يوجه رسالة خاطئة إلى أعدائنا، هذا هراء.

فلقد تعجلنا في الذهاب إلى هناك وعلينا أن نغادر بالطريقة نفسها. علينا أن نبدأ بسحب قواتنا من العراق بشكل منظم اعتباراً من نهاية هذه السنة.وربما يسمح لنا هذا بإعادة تركيز اهتمامنا ومواردنا على أفغانستان والقاعدة والقيادات الإرهابية. هل مازلتم تذكرونهم؟ انهم الأشخاص الذين هاجموا شعبنا على أرضنا في 11 سبتمبر 2001، وهم جاؤونا من أفغانستان وليس من العراق. وهؤلاء كانوا على رأس أولويات إدارة بوش لحوالي ثلاثة أشهر فقط.

لذا نرجو من بوش ورامسفيلد أن يفسرا لنا مرة أخرى لماذا علينا أن نبقى في العراق إذا كنا غير قادرين على الانتصار هناك؟ ولماذا قادنا هوسهما بالإطاحة بطاغية إلى طريق دموي قتل فيه 1900 أميركي إلى الآن في بلد لا يساوي حياة جندي أميركي واحد؟

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»