نيوأورليانز تلك المدينة الجميلة المختلفة عن كل المدن الأميركية، والتي تحبها منذ الزيارة الأولى تحولت بين ليلة وضحاها الى مدينة الجثث الهامدة، مدينة تلفها رائحة الموت من كل مكان. جثث طافية على الماء وأخرى على اليابسة مغطاة بأوراق البلاستك. الأطفال يموتون من العطش وكبار السن لعدم توفر الدواء.
نيوأورليانز ليست فقط مدينة الجاز ولا هي الحي الفرنسي وشارع بيربون الذي يقصده السياح من كل حدب وصوب، هي ليست فقط مدينة المعمار الجميل والثقافة؛ ولاهي بلد السلب و النهب كما يروج عنها الآن ، ولكنها أيضا وكما هو معروف لدى البعض هي بلد الناس الذين أسسوا لثقافة الحرية والمقاومة، هي بلد الناس الذين وقفوا لقرون ضد العنصرية وهيمنة العرق الأبيض.
هي مدينة الحرية والمقاومة ضد كل أشكال اللا عدالة الاجتماعية. فعلى سبيل المثال لا الحصر تأسست في هذه المدينة في سنة 2005 وفي أفقر مدرسة فيها أول مجموعة طلابية تطالب بالعدالة في التعليم والحق في الحصول عليه أسوة بغيرهم من طلاب الطبقات المرفهة التي يتوفر لها أفضل سبل التعلم والتحقق؛ وهناك الكثير من الحركات الإنسانية والثقافية التي تزخر بها هذه المدينة الجميلة.
اليوم وبفعل هذا الإعصار الرهيب وبطء الاستجابة له من قبل الإدارة الأميركية، وتجاهلها السابق بدفع التزاماتها المادية المطلوبة لإنشاء وتعزيز البنية التحتية الضرورية(مثل السدود والمصدات المائية) والتي كان من شأنها فيما لو أنجزت التخفيف من حجم هذه الكارثة،
أصبحت شوارع نيوأورليانز قبراً جماعياً لجثث المواطنين الأميركيين الفقراء والذين يتشكل غالبيتهم من المنحدرين من أصول أفريقية (حيث يشكلون تقريبا 70% من السكان). فحسب ما يشير أخر التقارير الرسمية وصل عدد الموتى ما يقارب 000,10 فقط في هذه المدينة، وتتوقع مصادر أخرى أن يصل العدد الى ما يقارب ال000,40 مواطن أميركي.
والجدل الذي يطرحه كثير من المحللين والصحافيين والمفكرين والمهتمين بحقوق الإنسان هو إذا كانت الحرب الأميركية التي رفعت تحت شعار مكافحة الإرهاب تم تسويقها على أنها تشن بهدف الدفاع وحماية حياة المواطنين الأميركيين فإنه وبدون شك أوضح إعصار كاترينا أن هذا الهدف زائف وغير حقيقي وبأن حياة المواطن الأميركي لا تعني شيئاً لصقور البيت الأبيض.
منذ يومين فقط أعلنت بلانكو حاكمة نيورأورليانز وبكل فخر عن وصول كتيبة من الجيش الأميركي مأمورة بإطلاق النار من أجل قتل كل من تسول له نفسه للقيام بعملية سلب أو نهب. وهنا يتذكر المرء وضمن سياق ثقافي وحضاري آخر موقف عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عندما رفع واحداً من أهم النصوص القانونية الإسلامية وهو حد قطع يد السارق في سعادة.
وقد كان تبريره رضي الله عنه الذي جادل به جماعته في غاية الحكمة إذ قال لهم: كيف يحاسب الإنسان على ارتكاب خطأ دفعته إليه الحاجة التي عجز القائمون على أمره من توفيرها وإشباعها له؟ كيف يحاسب إنسان فشلت دولته في توفير الحماية الأساسية له ولأسرته؟ كيف يحاسب إنسان على فعل يسعى من خلاله الى الإبقاء على حياته والصمود في وجه الجوع أو الحاجة؟ فمثل هذا الإنسان في رأيه رضي الله عنه لا يرتكب فعل الجريمة من أجل إيذاء الآخرين ولكن لتأمين حياته وحياة أبنائه وحاجاتهم الأساسية.
الآن في ظل ما تواجهه مدينة نيوأورليانز والتي تتسم بوجود حالات من الفقر الشديد بين مواطنيها، كيف للجهات المسؤولة محاسبة فقرائها على القيام بفعل ربما يقصدون من ورائه سد حاجاتهم الأساسية في الوقت الذي لم يتحرك فيه رعاة الأمر على إمدادهم في الوقت المناسب ما يتطلبه صمودهم في مثل هذه الظروف؟
وكيف يحاسب هؤلاء الفقراء على حماية وتأمين حياتهم في الوقت الذي رفضت إدارة حكومتهم العام الماضي توفير المساعدة المالية الضرورية لمدينتهم من أجل تحسين نظامها الدفاعي ضد الفيضانات بحجة أن الحكومة تحتاج لكل فائض من الأموال لحماية الجميع من الإرهاب ولتعزيز خطتها الدفاعية والوقائية ضد الإرهاب.
وكيف ترسل كتائب مدربة لقتل من يمد يد الحاجة في الوقت الذي منع موظفو وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية عنوة، وذلك حسب ما ذكرته محطة الإذاعة البريطانية الـ «بي بي سي»، قوافل من الشاحنات الثقيلة التي كانت محملة بماء الشرب والدواء والطعام اللازم للمواطنين الناجين من الدخول للمدن والقرى المتضررة من الفيضان لأيام بدون تقديم مبررات منطقية لهذا المنع.
يتساءل الكثيرون من المحليين السياسيين والاقتصاديين عن موقف الإدارة الأميركية العنصري من هذه الكارثة والذي تجلى في البداية بالتجاهل، حيث لم يقطع كثير من أعضاء الحكومة حتى إجازاتهم الخاصة للقيام بالمتابعة المطلوبة واتخاذ القرارات المهمة المتعلقة بالإنقاذ.
كما تجلى هذا الموقف أيضا كما يرى المحللون في حجم المساعدة التي رصدت لمساندة المنكوبين وإعادة البناء والتي لم تتجاوز قيمتها 5,10 بليارات دولار، وهذا رقم لا يتناسب وحجم الكارثة التي منيت بها هذه المدينة الجميلة. في حين أن المساعدة التي قدمتها الإدارة الأميركية لشركات الطيران بعد 11/09 قدرت بحوالي 00,15 مليار دولار من أجل مساعدتها على الاستمرار ومواجهة ظروف الخسائر المادية التي كانت تمر بها.
كما أن حجم المساعدات التي تقدمها الإدارة الأميركية يتعدى ما رصد لمساعدة نيوأورليانز بكثير، وها هي إسرائيل تطالب الحكومة الأميركية في الفترة الأخيرة بزيادة 14 ملياراً آخر على ما تقدمه لها من أجل حل مشاكلها الاقتصادية. إن تعامل الإدارة الأميركية مع كارثة كاترينا يواجهنا بحقيقة مرة ومحزنة وهي أن العنصرية العرقية، وإن نفتها رايس وغيرها، كانت حاضرة ومسيطرة على طريقة التعامل مع هذه الأزمة.
جامعة الإمارات