اغتيال اللواء موسى عرفات، المستشار العسكري للرئيس الفلسطيني، جاء ليضيف عامل تأزيم جديداً، وربما يكون مرشحاً للتفاعل على المشهد الفلسطيني، فهو إما أنه يؤشر إلى دخول نمط التصفيات على خط التعامل بين القوى الفلسطينية في الداخل، وإما أنه يندرج في خانة العنف الانتقامي المعزول، الذي يفاقم من مناخات الفوضى والانفلات في الساحة الفلسطينية.
في الحالتين الخسارة الفلسطينية مضمونة. فهو بالإضافة إلى كونه نزفاً أمنياً؛ كذلك هو نزف سياسي. وكذلك بصرف النظر عن الخفيات والملابسات. ويزيد من هذه الخسارة وخطورتها أن ذلك يحصل في وقت تبدو الساحة الفلسطينية مشبعة بعوامل التوتر وانشداد الأعصاب، بحيث إنها لم تعد تحتمل المزيد من هذه البضاعة، كما أنه يأتي في لحظة يحتاج فيها الوضع الفلسطيني إلى استنفار كل ما لديه من قدرات؛
أو على الأقل سدّ كل ما يشكو منه من ثغرات وتجميد كل ما في جسمه من أعطاب وتناقضات؛ لأن الأولوية هي لنقل معركة الخلاص من الاحتلال إلى الضفة؛ بعد ترحيله عن غزة. وإذا تعذر ذلك ففي أسوأ الحالات، مطلوب من الوضع الفلسطيني أن يعزز مناعته حيال احتمالات ومخاطر النزف الداخلي كافة، فالعدو الإسرائيلي المتربص يتحين الفرص لإشعال نار التحارب الفلسطيني ـ الفلسطيني وصبّ الزيت عليها.
وليس هناك طرف فلسطيني إلا ويدرك تمام الإدراك أن إسرائيل تعمل منذ حين على الإيقاع فيما بينهم، وأنها متأهبة دوماً لالتقاط الفرص المتاحة، لتأجيج الصراعات الفلسطينية ودفعها إلى التذابح والغرق في حمامات الدم؛ التي تتحول إلى مكاسب صافية لتل أبيب وخططها في مواصلة نهب الأرض والعمل على الإطاحة بمشروع الدولة الفلسطينية الموعودة.
الاغتيال، بظروفه والمدة التي استغرقها وكيفية تنفيذه، يشير إلى أنه سياسي ـ أمني. وإذا كان التوقيت خطأ ـ جدلاً ـ فإن الأسلوب خطيئة. ومن الصنف القاتل. فالتصفيات محكومة بقانون الدوامة: اغتيال يتناسل عنه اغتيال مضاد. كما أنها مفتوحة على التوسع والتحول إلى اقتتال مكشوف بين مواقع وقوى وجبهات. خاصة إذا كانت تستهدف إزاحة قوى اعتراضية لتسهيل سياسة معينة، أو خطة محددة.
الأمر الذي ينتهي، مهما كانت الذرائع، في طاحونة الفتنة. أو في أحسن الحالات لتخصيب أرضيتها وتأهيلها.والساحتان العراقية واللبنانية ـ ولو بحدود ـ وما يحصل فوقهما، في موسم الاغتيالات الذي يجتاحهما؛ تقدمان الدليل الدامغ على جهنمية هذا الأسلوب.الساحة الفلسطينية في لحظتها الراهنة وبخصوصية معطياتها، أحرى بها أن تنأى عنه. فإذا كان الاحتلال مصيبة فإن التصفيات سرطانه.